تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقدرا حاتما؟ ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد! إن الله سبحانه أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، وكلّف يسيرا، ولم يكلف عسيرا، ولم ينزّل الكتاب للناس عبثا، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا! ذلك ظنّ الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار!

* * *

481 - تحريف التوراة، وحقيقة اتهام القرآن لليهود؟

لم يتنزل القرآن إلا لأن التوراة حرّفها اليهود، ويأتي اتهام القرآن بتحريف اليهود للتوراة في سور: البقرة، والنساء، والمائدة، بحسب ترتيب النزول؛ فمن ذلك في سورة البقرة: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (75)، يعني لا تطمعوا أيها المسلمون أن يؤمن اليهود بالإسلام وينقادوا للقرآن، لأن التحريف من طبعهم، يقصدون إليه لخدمة مصالحهم، فلا أسهل عندهم من أن يغيّروا في كلام الله ويتأوّلونه على غير معناه، ويفسّرونه بغير مراد الله قصدا. وفي سورة النساء: (مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) (46)؛ ومنه في سورة المائدة: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ) (13)، وقوله: (وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ) (41)، يعني أن هؤلاء اليهود - بما هم كذلك - قد فسدت فهومهم، وساء تصرفهم، وتأوّلوا ما أنزل الله على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا فيه ما لم يقله الله، وتركوا العمل به رغبة عنه، وأهملوا عرى دينهم وما اختصّهم الله به، واختصّوا أنفسهم بغيره حتى قال الله فيهم: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) (5) (الجمعة)، فذمّهم بأقسى ما يمكن أن يذمّ به شعب من الشعوب، وأمّة من الأمم، فلقد منحوا التوراة لعلّهم يهتدون بها وينصلح حالهم، فأولوها ظهورهم ولم يعملوا بها، كمثل الحمار إذا حمل كتبا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملا حسّيا ولا يدري ما عليه، وما قيمته، وما الهدف منه، فكانوا أسوأ من الحمار، لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، كما قال: (أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) (179) (الأعراف). ويقول المستشرقون: إن القرآن يتناقض مع نفسه عند ما يتّهم اليهود بتحريف التوراة، ثم يقول عنها أنها: (هُدىً وَنُورٌ) (44) (المائدة)، (وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ) (184) (آل عمران، وفاطر 25)، و (الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ) (117) (الصافات)، وكانت: (إِماماً وَرَحْمَةً) (12) (الأحقاف، وهود 17)، وبلغ المديح القمة في قوله تعالى: (ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي

433

موسوعة القرآن العظيم · الصفحة ٤٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة القرآن العظيمص ٤٤٦