لا ينبغي أن يدفع المعتدى عوضا عمّا أتلف وقتل ودمّر، حتى لا ينفر عن الصلح ويستشرى في البغى، وفي رأى أنه ينبغي أن يدفع العوض حتى لا يقتدى به آخرون، والرأي الغالب أنهم يضمنون، أي يدفعون العوض، ويردّ ما كان قائما بعينه، وهذا هو معنى الصلح بالعدل في الآية، بحسن الطباق المأمور به من أعمال العدل ومراعاة القسط، وهذا هو أساس فكرة محكمة العدل الإسلامية، والفكرة تدعو إليها الآية: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (10) (الحجرات)، وأخوة المسلمين في الدين والحرمة، وهما أقوى من النسب والجنس، وفي الحديث: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ... » الحديث، وهذا هو معنى الأخوة، ويترتب عليها واجب التدخل للصلح بين أي مسلمين يتخاصمان. ومثل ذلك الصلح بين الزوجين، وأحرى بهما أن يتصالحا دون تدخل من آخرين، كقوله تعالى: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (128) (النساء)، والصلح الذي هو خير هو الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف، بينما التمادى في الخصومة مدعاة للشحناء والمباغضة، ومجلبة للشرّ، وينبه القرآن إلى أن دافع الخصومات بين الأزواج هو في الأصل الشّحّ يكون في الزوج، فينتقل من مجال الأموال والنفقة إلى المعتقدات والإرادة والهمم، وإلى ذمّة الله تعالى، كقوله تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (9) (الحشر)، فإذا صار الشح إلى حيز منع الحقوق الشرعية، أو التي تقتضيها المروءة، صار بخلا، والبخل مرذول، وبه يصير الزوج على الأخلاق المذمومة والشيم اللئيمة، فلا يبقى معه خير ترجوه زوجته، ولا صلاح تأمله فيه. وتخاطب الآيات الأزواج، من حيث أن بوسعهم أن يشحّوا وأن يحسنوا، وتدعوهم أن يتّقوا الله في عشرة النساء، وذلك معنى قوله تعالى: «الصلح خير»، وهو قول عام مطلق في كل شيء، ومن ذلك الصلح بين المتعاملين في الأموال، فقد يتصالحان على المعاوضة، أو على الإبراء، أو على الهبة، بأن يعوض أحد المتخاصمين الآخر عما خسره، أو أن يبرئه من بعض دينه على أن يعطيه الباقي، فيتراضيان على ذلك، أو أن يكون نزاعهما على عين،
فيتراضيان على أن يهبه نصفها ويعطيه بقيتها؛ وقد تتصالح الزوجة مع زوجها فتتنازل له عن بعض حقوقها.
* * *
2321 - الحجر
الحجر في اللغة المنع والتضييق، ومنه قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً) (22) (الفرقان)، والحجر المحجور هو الحرام المحرّم، أي دخول الجنة على المشركين والكافرين،
1176