وقد اعتكف في شهر رمضان في العشرة الأولى، ثم اعتكف في العشرة الثانية أي الوسطى، ثم اعتكف في الثالثة في العشرة الأخيرة، ثم لم يزل يعتكف في هذه الأخيرة.
ومن شروط الاعتكاف: الإيمان، والعقل، ونيّة التقرّب إلى الله، لأن الاعتكاف عبادة، ولا تصحّ العبادة إلا بهذه الأوصاف، وأن يكون في رمضان، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعتكف إلا فيه، وعن عائشة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا اعتكاف إلا بصيام»، والدليل على أنه «بصيام» قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ) (البقرة 187) فذكر الله تعالى «الاعتكاف مع الصيام»، غير أنه ليس من شرطه أن يكون في رمضان، فالاعتكاف يصحّ لنذر، ولغيره، وقيل لذلك إن الاعتكاف ينقسم إلى واجب ومندوب، و «الاعتكاف الواجب» ما وجب بنذر، أو عهد، أو يمين؛ و «الاعتكاف المندوب» ما يتطوع به بدافع العبادة المقرّبة من الله تعالى؛ والواجب: إذا تعيّن بزمان - كمن ينذر أن يعتكف الأيام البيض من شعبان - فمتى باشر الاعتكاف لا يجوز له العدول عنه، لا في اليوم الأول ولا الذي يليه؛ وأما المندوب وهو للتطوّع: فله أن يعدل عنه قبل انقضاء اليومين الأول والثاني، فإذا انقضيا وجب الثالث حتما. وفي كل الأحوال يجب عليه الصيام. وفى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان: يبدأ المعتكف قبل غروب الشمس من ليلة الحادي والعشرين، ويصحّ بعد صلاة الصبح من اليوم نفسه، ويستحب أن يبيت ليلة العيد في معتكفه. وإن نذر اعتكاف يوم لزمه الدخول فيه قبل فجره، ولا يخرج إلا بعد غروب شمسه، ولا يصح الاعتكاف ليلة مفردة ولا بعض ليلة أو بعض يوم، لأن الصيام شرط في الاعتكاف، ولا صيام لأقل من يوم. وإن نذر الاعتكاف شهرا لزمه شهر بالأهلّة، أو ثلاثون يوما، ولا يتعيّن المسجد بنذر المعتكف، إلا أن يكون التعيّن لأحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي بالمدينة، والمسجد الأقصى، وأفضل الثلاثة المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى. ولا يجوز الاعتكاف عموما إلا في مسجد لقوله تعالى: (فِي الْمَساجِدِ) (البقرة 187)، وقيل المقصود بها أن يكون الاعتكاف في مسجد جامع تجمع فيه الجمعة، وقيل بل أي مسجد جائز، لأن الآية تحمل على عمومها على أي مسجد له إمام ومؤذن، وفي الحديث عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح».
وليس للمعتكف أن يخرج من معتكفه إلا لما لا بدّ منه، ودليل ذلك من السنّة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يدنى رأسه إلى عائشة لترجّله ولا يخرج من المسجد لهذا السبب، ولا يتركه
989