اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة)، إخبار بأنهم يعلمون ذلك، وأن الحق ليس معهم في مماراتهم للمسلمين حول تحويل القبلة عن بيت المقدس، بنزول الأمر للمسلمين بالانصراف عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة، فبيت المقدس كقبلة لم يكن فرضا على اليهود، ولا على النصارى، وإنما كان اليهود إذا صلوا يصلون فرادى أو جماعات إلى أي اتجاه، وغالبا ناحية المشرق، وإذا كانت هناك خيمة شهادة أو تابوت الشهادة استقبلوهما كما قلنا سابقا، وصلاتهم دعاء، إلا ما علّم المسيح النصارى فيما يسمونه الصلاة الربّانية والتي يبدءونها بالدعاء: «أبانا الذي في السماوات»، فهذا هو ما يعلمه اليهود والنصارى أنه الحق من ربّهم: «أن التوجه لبيت المقدس ليس فرضا». فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا ينتقدون المسلمين لمّا نزل عليهم تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة؟ وكانوا يعلمون أن الله لم يقرر بيت المقدس كقبلة للمسلمين، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم قرره على المسلمين باجتهاده ولم يكن راضيا رغم ذلك، وكان يرفع رأسه إلى الله يدعوه ويبتهل له أن يلزم المسلمين بقبلة تخصّهم، وأن يأتي الأمر منه تعالى بذلك، وهذا كله كان يعرفه أهل الكتاب، ويعلمون أنه الحق من ربّهم، لا انتحال فيه ولا اعتذار. وهذا الأمر من الله بالقبلة حدث لأول مرة في تاريخ الديانات، ولم تسبق إليه ديانة قبل الإسلام، ونبّه إلى ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «حسدتكم اليهود على القبلة»، ونزل به القرآن فقال: (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (146) (البقرة)، فهذا الذي يعرفونه كأبنائهم هو أن بيت المقدس لم تكن قبلة بمعنى القبلة، وأن القبلة بالمعنى الإسلامي شيء جديد تماما، ولكن اليهود كدأبهم ظلوا يمارون ويجحدون ويجادلون بالباطل، وكتموا الحق وهم يعلمون أنهم يكتمون الحق، ومثل ذلك حدث معهم لما أنكروا الرجم في التوراة، فشهد عليهم بالكذب عبد الله بن سلام، وكان يهوديا وأسلم، وفي ذلك نزل القرآن: (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) (10) (الأحقاف).
* * *
1953 - استقبال الكعبة هو الحق لا مراء فيه
يقول تعالى مخاطبا النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإنما حقيقة الخطاب لأمة محمد، يطمئنهم أن الكعبة كقبلة هي الحق من عند الله وليس بيت المقدس: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (147) (البقرة)، والامترار في الشيء هو الشك فيه، وكذا التمارى، والممترون هم الشاكون، والمرية هي الشك. وفي الآية أن الامتراء يمكن أن يحدث بإصرار اليهود بادعائهم العلم وتلبيسهم على من يستمع إليهم.
* * *
942