المسلمين، إما بالقتال، وإما بالأموال - وذلك أوجب لكونها دون النفوس، إذ هي أهون، في الحديث: «فكّوا العانى»، وهو الذي يعانى الظلم والاضطهاد ويحرم من حقوق المواطنة وحقوق الإنسان.
* * *
1539 - الجهاد وحق الجهاد
تقول صوفية المسلمين: إن الجهاد في سبيل الله هو «الجهاد الأصغر»، وعندهم «الجهاد الأكبر» وهو مجاهدة النفس الأمّارة بالسوء، والحق أن الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله هو أعلى الجهاد، وهو «حق الجهاد»، والجهاد لا يكون جهادا إلا إذا كان جهادا بحق، كقوله تعالى: (وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ) (78) (الحج)، ومعنى «حقّ جهاده» أن يمتثل المجاهد جميع ما أمر الله، وأن ينتهى عن كل ما نهى عنه، ويجاهد نفسه على طاعته تعالى، ويردّها عن هواها، ويجاهد الشيطان ويردّ وسوسته، ويجاهد الظلمة ويردّ ظلمهم، ويجاهد الكافرين ويردّ كفرهم، كقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (16) (التغابن)، وفي الحديث «خير دينكم أيسره»، والأيسر هو الوسع، فكأن حق الجهاد هو بذل ما في الوسع والاستطاعة، وفي الحديث أيضا: «المجاهد من جاهد نفسه لله عزَّ وجل» أخرجه الترمذى، أي جعلها في طاعته، ولما سئل النبيّ صلى الله عليه وسلم: أي الجهاد أفضل؟ قال: «كلمة عدل عند سلطان جائر» أخرجه ابن ماجه، والحديث عن الجهاد في دولة الظلم، ويبقى دائما أن أفضل الجهاد هو الجهاد بالمال والنفس.
* * *
1540 - فضل الجهاد
لا عمل يفضل الجهاد أبدا، لقوله تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ) (التوبة 19)، فأي عمل مدنى لا يساوى الجهاد عن إيمان، وقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ) (20) (التوبة)، وليس أعظم درجة عنده تعالى ممن هاجر مجاهدا وضحّى بنفسه وماله في سبيل الله، وفي الحديث: «من ترك الجهاد ألبسه الله ذلا وفقرا في معيشته، ومحقّا في دينه». والجهاد عزّ الإسلام، وباب من أبواب الجنة، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة، ومن تركه يشمله البلاء، وضرب على قلبه، وأديل الحق عنه، وسيم الخسف، ومنع النّصف. والرباط من الجهاد، وهو انتظار العدو، وأن يكون مستعدا دائما للقتال حذر المفاجآت، كقوله تعالى: (اصْبِرُوا
643