تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فى الحديث: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان»، وهو الكاذب عند ما يحدّث، وعند ما يعد، وعند ما يؤتمن. والكذب: من قبائح الذنوب، ويجانب الإيمان. والصدق ضد الكذب؛ والصدق: مطابقة القول للمخبر عنه، فإن لم يطابقه فإنه إما أن يكون كذبا، أو مترددا بين الصدق والكذب، كقول المنافق محمد رسول الله، فإنه يصحّ أن يقال صدق، إذا كان يعتقد ذلك حقا، فعندئذ يكون صادقا؛ ويصحّ أيضا أن يقال كذب، إذا كان قوله يخالف ضميره، وفي التنزيل قال المنافقون: (قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) (1) (المنافقون)، وقال تعالى في الصادقين: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (119) (التوبة) يعني أن الصدق قرين الإيمان، والصادقون هم الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم، كقوله تعالى: (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ) (23) (الأحزاب) يعني أوفوا بما عاهدوا، وبالصدق ينتفى النفاق في العقيدة، والمخالفة في الفعل، وصاحب هذه الصفة يقال له الصادق، فإذا كثر منه الصدق يقال له الصدّيق، كأبي بكر. والمسلم حقّ أن يلازم الصدق في الأقوال، والإخلاص في العمل، لو فهم الإسلام، ووعى القرآن، وفي الحديث: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البرّ، وإن البرّ يهدى إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا. وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابا» أخرجه مسلم. وقد ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة رجل في كذبة كذبها، فالكذب لا يصلح منه جدّ ولا هزل، وقبول شهادة الشاهد مرتبة شريفة لا تكون إلا لمن كملت خصاله وعرف عنه الصدق، ولا خصلة أشرّ من الكذب.

* * *

1506 - مدار الإسلام على الحياء

أصل الحياء الامتناع، وهو في الاصطلاح الامتناع عن فعل ما يعاب. ومنه الاستحياء يعني الاحتشام والخجل، كقوله تعالى: (إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ) (53) (الأحزاب)، وقوله: (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً) (26) (البقرة) يعني لا يمتنع، ولمّا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحياء من الدين؟ قال: «بل الدين كله»: وقال «الحياء من الإيمان»، يقصد الحياء الشرعى المكتسب بالدين، فذلك هو الذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدين، وأما الحياء بمعنى الخجل من المطالبة بالحق ورفع الظلم، ومواجهة من يرتكب المنكرات، فذلك عجز ومهانة. والمسلم حياؤه غالبا غريزى ومكتسب، يعني أن الحياء فيه غريزة ومن ثم يعينه على المكتسب. وقد ينطبع المسلم

612

موسوعة القرآن العظيم · الصفحة ١٨٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة القرآن العظيمص ١٨٩٣