ماضيها وحاضرها ومستقبلها، تتفرغ لكتابة ما هو كائن من مخلوقات ومصنوعات الله، وما سيكون، والبحر كمداد تمدّه سبعة أبحر، لعجزت الأقلام والبحار أن تستوفى ما يخلقه تعالى، لأن صنعه تعالى أبدى، ومفتوح على الأبدية، وهو المعبّر عنه بكلماته، حيث الأشياء أسماء يقول للاسم منها كن فيكون شيئا، وناسب أن يسمّى الله تعالى مخلوقاته ومصنوعاته «كلمات» لمناسبة الكلمات للأقلام والمداد والكتابة، ولأن الكلمات يتكلم بها في أقواله للأشياء أن تكون فتكون. والقلم في القرآن هو الأليق والألصق بمحمد صلى الله عليه وسلم، وفي سورة العلق أن الله خلق الإنسان من علقة مهينة وتعهّده إلى أن صار بشرا سويا عاقلا ومميزا، فحينئذ قال له «اقرأ»، واختص نبيّه محمدا بالأمر أن يقرأ، ولم لا وقد صار لديه كتاب كأهل الكتاب؟ والأمر مع ذلك للعموم، ومعنى: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) (5) (العلق)، أن الإنسان عليه أن يتعلم القراءة والكتابة، وسيكرمه الله ويعينه، والقراءة تسبق الكتابة، فإذا تعلم القراءة فعليه أن يثنّيها بتعلّم الكتابة وهي فعل التعلم، والكتابة والقراءة هما باب الإحاطة بالعلوم، والله تعالى هو المعلّم الأول، علّم آدم أسماء الأنبياء وعرّفه بهم فصار عالما وعارفا، والمقصود بآدم الإنسان بالمعنى العام، والقلم ألزم أدوات الحضارة للإنسان دون سائر المخلوقات، وهو أساس القراءة والكتابة، والتعلّم وتحصيل العلوم والمعارف، وبدون القلم لا علوم، ولا آداب، ولا معارف، ولا حضارة. فذلك إذن قدر القلم في القرآن أو في الإسلام، وقدر القراءة والكتابة والتعلّم. فإذا سألتم: فلماذا تخلّف المسلمون؟ لكان الجواب: لأنهم نسوا تعاليم القرآن ولم يأخذوا بما أوصى، فتفشّت الأمية وانتشرت، بحسب مخططات الحكام والاستعمار، لأن الشعوب الأمية أسلس قيادة وأسهل في الإقناع، فإذا قرروا الدّين كمادة للتعليم، كانت دروسهم فيه في الصبر والمثابرة، وانتظار أن تأتي العدالة من السماء، والرضا بالمقسوم، وليس في واجبات الحكّام والأفراد و (الدولة) وفي ضرورة التغيير، وإصلاح المفاسد، والترقّى بنشر العلم، والله تعالى لا يرضى بالظلم الاجتماعي، وصدق من قال: «الدين أفيون الشعوب»، لأنه بالدين ترضخ وتستسلم، وفي بلادنا العربية والإسلامية، وخاصة مصر، يخصصون للدين أكبر أبواب الميزانية، دون عائد اجتماعي سوى تدجين الناس لما يخطّط له الحكام. وحسبنا الله.
* * *
1478 - الكتابة أمانة والكاتب مؤتمن
مهنة الكتابة أمانة، والكاتب مؤتمن، وأمانة الكاتب أن يكتب بالعدل، كقوله تعالى: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ) (282) (البقرة)، ومن كتّاب الإسلام زيد بن ثابت، وصفه أبو بكر فقال: «شاب عاقل، لا نتهمك»، فوصفه بالعقل لثبوت أمانته وكفايته وعقله لما كان يكتبه، وليت كل صحيفة ومجلة تصدّر بالآية الكريمة، وليت كل كاتب يتحلّى بما كان يتحلى به أمثال زيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم،
590