الجمل، والشق في شفته، إنما ليسهلا عليه تناول الكلأ أثناء السير، وكذلك الفيل، فلولا خرطومه الطويل لما استطاع أن يبرك بجسمه الكبير كي يتمكن أن يتناول طعامه، فالخرطوم يقوم له بذلك دون أن يبرك، وذلك هو صنع الله ومن أحسن من الله صنعا، ومن أتقن منه وهو يصنع ويخلق ويبدع؟ وعند ما نتأمل الثعبان وهو يزحف، ويثير قشعريرة الخوف في الإنسان والحيوان، فإننا دون الحيوان لا يسعنا مع شدة الخوف إلا أن نعجب لإحكام خلق الله له، وهذا الإحكام هو ما اصطلح عليه المسلمون بأنه الجمال، وهو الذي يثيرنا أن نهتف حال مشاهدته وإدراك عظمته: (فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) (14) (المؤمنون)، وما يبدعه أحسن من الحسن، وهو الأجمل، وهو تعالى خالق الجمال. وفي الآية: (وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) (6) (النحل): أن الجمال ما يتجمّل به ويتزيّن، فهو النافع اقتصاديا، وله أيضا وظيفة التزيّن والتجمّل؛ تقول جمل الرجل جمالا فهو جميل، والمرأة جميلة، وجملاء أيضا. والجمال في الأنعام، كما هو في الطير والحيوان والشجر والزروع والجماد والطبيعة، وهو في الصورة وتركيب الخلقة، ويكون في الأخلاق الباطنة وفي الأفعال. فأما جمال الخلقة: فيدركه البصر ويلقيه إلى القلب متلائما، فتتعلق به النفس من غير معرفة. وأما جمال الأخلاق؛ فكونها على الصفات المحمودة من العلم، والحكمة، والعدل، والعفة، وكظم الغيظ، وإرادة الخير. وجمال الأفعال هو وجودها ملائمة لمصالح الخلق، وقاضية لجلب المنافع فيهم، وصرف الشرّ عنهم. والجمال في الصياغة عموما، وفي نسب الألوان، واتساق الأشكال والخطوط، وانسجام الإيقاعات والأنغام إلى بعضها البعض، وتنظر بالعين، وينصت إليها بالأذن، وتلمس باليد، وتوافق الحسّ والطبع والفهم.
* * *
1462 - الله جميل يحب الجمال
فى الحديث: «إنّ الله جميل يحب الجمال»، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرّى الجمال في كل شئ: في القول الحسن، والعبارة البديعة، والشّعر الداعى للخلق، والمشية المهذبة، والنظرة الوقور، والأفعال الحميدة. وحسن الهيئة عنده من حسن المخبر. والمسلمون على التجمّل بالمعنويات كتجمّلهم بالماديات، وتجمّلهم أكثر في الأعياد وأيام الجمع، وفي الزيارات ولقاء الناس، ومن أقوال أبى العالية: كان المسلمون إذا تزاوروا تجمّلوا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافر بالمشط، والمرآة، وزيت الشعر، والسواك، وما يصلح عينيه كالكحل، وعن أنس أنه صلى الله عليه وسلم كان يضع زيت الشعر على رأسه ويسرّح لحيته بالماء، وكانت له مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثا في كل عين. والجمال مطلوب حتى في البهيمة، وفي الأسماء، وفي كل منتج من صنعة، وفي كل شيء.
* * *
568