المسافات بين الأجرام تمتلئ بالغازات والجسيمات الصلبة المتناهية في الصغر، وتنتشر بالمجالات المغنطيسية بين كل أجرام السماء، وتربط بينها في بناء محكم متماسك، وهو تفسير قوله تعالى عن السماء: «بنيناها بأيد»، يعني بإحكام ودقة فلا تتصدع ولا تنهار. ومعنى السماء في اللغة ما يعلو الأرض، وفي الاصطلاح هي كل ما حول الأرض من أجرام ومادة وطاقة، والعلم لم يدرك كل ذلك إلا بعد دراسة السماء الدنيا، وقال عنها إنها الجزء المدرك من السماء بالمعنى الشامل، وفي هذا الجزء المدرك تبيّن أن هناك مائتى بليون من المجرات، وبعضها أكبر كثيرا من مجرتنا المسماة درب التبّانة أو اللبّانة، وبعضها أصغر، وأن أعداد النجوم في المجرات تتراوح بين المليون والعشرة ملايين الملايين، وأن لها أعمارا ومراحل عمرية، وتوابع وأقمارا، وأن الكون لذلك شاسع لا يتصوره عقل ولا يحيط به، وما يزال يتوسّع، وما تزال تتخلّق فيه المواد بكثافات كانت متقاربة لتملأ المساحات الناتجة عن التوسع، وأنه مثلما كان تخلّق الكون بعملية «انفجار عظيم» من نقطة واحدة، فمن المؤكد أن الكون له بداية، ولا بد أن تكون له نهاية، وهذا كله تضمنته الآية التي سبق بها القرآن قبل أربعة عشر قرنا، فلا بد أن هذا القرآن إذن من لدن الخالق للكون، العالم به، وأن هذا الرسول الذي بلّغ بالقرآن موحى إليه من عند الله، ومكلّف بالرسالة، فكما صدق العلم الآية؛ فإنه يصدق أن القرآن كتاب الله، وأن محمدا رسول الله لا شك في ذلك.
* * *
1377 - الشهب، وما ذكره القرآن فيها، هل هو من العلم؟
يأتي عن الشهب في القرآن ست مرات في سور الحجر والنمل والصافات والجن، وهي من آيات قدرته تعالى ووحدانيته. والشهب والأشهب جمع شهاب، وهو كل مضئ متولد من النار، ومنه يقول موسى عليه السلام: (سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) (7) (النمل)، و «الشهاب القبس» هو شعلة من النار التي رآها تضطرم وتتأجج ويمكن استخدامها للاستدفاء وأن تكون نورا. والشهب من الظواهر الجوية، وهي كما يصفها موسى «أقباس» من جسيمات صلبة صغيرة جدا لا يتجاوز قطرها المليمتر الواحد، تجذبها الأرض فتخترق الغلاف الجوى بسرعة هائلة عبّر عنها القرآن بقوله: (فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ) (18) (الحجر)، وبقوله: (شِهابٌ ثاقِبٌ) (10) (الصافات)، وهو «مبين» لأن حركته السريعة المذهلة التي قد تتراوح بين 12 و 72 كيلومترا في الثانية الواحدة، تتسبب في احتكاكه بذرات الغلاف الجوى فترفع من حرارتها لدرجة التوهج والاشتعال، فترسم خطا لامعا في السماء؛ وهو «ثاقب» لأنه بارتفاع درجة حرارة الهواء الذي يمر خلاله تتبخر معظم مكوناته
466