ذلك يلخّصه النبيّ صلى الله عليه وسلم فيقول: «المؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنى فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإنّ «لو» تفتح عمل الشيطان». رواه مسلم عن أبي هريرة. وهي دعوته إلى تطبيق العلم الصراح. ومادة «علم» تأتي في القرآن 745 مرة، ولا شيء من ذلك إطلاقا في التوراة ولا في الأناجيل. والقرآن يحضّ على استخدام العقل، ويستحث على التعقّل، وتأتي مادة «عقل» فيه 49 مرة، ويأتي قوله «لعلكم تعقلون» ثماني مرات، ولا شيء من ذلك ألبتة في كتب التوراة أو العهد القديم، ولا في كتب الأناجيل أو العهد الجديد. فكيف إذن قول اليهود والنصارى: أن الإسلام ضد العلم أو ضد العقل؟ إن يتّبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون، وما عقلوا القرآن ولا الإسلام، ويحسبون أنهم على شيء وهم كاذبون، ومن أظلم ممن افترى الكذب، وكذّب بالحقّ، ليضلّ الناس بغير علم.
* * *
1361 - الدلالة العلمية للآيات الكونية
القرآن ليس كتابا في العلوم، ولكنه مع ذلك لا يتصادم مع العلم، والآيات العلمية في القرآن تنتصر للعلم المكتسب وليس العكس، لأن العلم المكتسب يقوم على التنظير في القضايا التي لا تخضع لحسّ الإنسان وإدراكه الحسّى، كقضايا الخلق والإفناء وإعادة الخلق، وتكثر النظريات في ذلك، وأكثرها يدفع إليها الإلحاد، إلا أن نتائجها الإيمانية توافق آيات القرآن، وذلك دليل على صحة هذه النتائج، وعلى أن من ذهبوا إليها كانوا على الطريق الصحيح في الكشف والاستنتاج وإن كانوا قد بدءوا منكرين للألوهية، وبعد أن كانوا يقولون مثلا أن الكون ثابت، وأنه أزلى ولا نهائي، ينفون بذلك الخلق والآخرة والمعاد، اضطروا بما أجروا من تجارب إلى القول بأن الكون كانت له بداية، وأنه يسير حتما إلى نهاية، وأنه كما بدأ فإنه يعود، والقرآن نبّه إلى ذلك منذ ألف وأربعمائة سنة، فقال: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) (30) (الأنبياء)، يؤكد أن هذا الكون الذي نحيا فيه هو كون مخلوق، وأنه تعالى خلقه من جرم ابتدائي واحد عالى الكثافة كانت فيه السماء غير متمايزة عن الأرض، وهو ما عبّرت عنه الآية بالرتق، ثم كان الفتق - وهو الانفجار، ويسميه أهل الفلك «الانفجار الكبير The Big Bang» ، فتحوّل هذا الجرم إلى دخان، وتأدّت الحرارة الشديدة المصاحبة لذلك إلى تفاعلات نووية، تكونت بها عناصر أولية كالإيدروجين والهيليوم. والرتق في اللغة هو الضم والالتحام، ونقيضه الفتق وهو الفصل والانشقاق والانشطار. وفي الرتق كما قلنا
451