«الطيبون» إذن هم الذين يدخلون جنات عدن، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، تحيّيهم الملائكة من كل باب، يقولون لهم قبل الدخول: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (32) (النحل)، ويقولون لهم بعد الدخول: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (24) (الرعد).
والمستشرقون على القول بأن جنة عدن أخذها محمد من التوراة، من سفر التكوين، الفصل الثاني، العبارة 8، ولا أجد مناسبة إطلاقا بين ما في التوراة عن هذه الجنة وما في القرآن، فجنة التوراة بمعنى «بستان»، جعله الله لآدم في الدنيا، وعلى الأرض، ليزرع فيه ويأكل من زرعه، وأنبت له من كل الثمرات، ويخرج منه نهر يسقيه ويتشعب إلى أربعة أنهر، أحدها في الحويلة، والآخر في الحبشة، والثالث في آشور، والرابع هو الفرات!!! والكلام - كما ترى - غير علمي، ويتصادم بشدة مع حقائق الجغرافيا، وكما ترى فإن جنة أو بستان عدن - كما يجيء في التوراة - هي جنة واحدة، يعني بضعة قراريط من الأرض بوسع آدم وزوجته أن يفلحها وتكفيه لطعامهما! وأما جنات عدن في القرآن فهي بصيغة الجمع في الإحدى عشرة مرة التي أتت فيها في مختلف سوره، ومكانها الآخرة، وأما مفسرو التوراة، فلمّا صدّقوا أن جنة عدن في الأرض، ذهبوا كل مذهب يبحثون أين كانت وفي أي مكان، قالوا: إنها كانت في تركيا، لأن الفرات والدجلة ينبعان منها؛ وقال غيرهم: كانت في جنوب العراق حيث يتفرّع الفرات والدجلة ويصبان في شط العرب؛ وقيل: إن سهل بابل كان قديما يسمى عدنو، والحويلة جزء من الجزيرة العربية يجاور العراق، فمن المحتمل أن جنة عدن هي عدنو هذه. وسبب تكهنات اليهود حول الاسم عدم اعتقادهم بوجود زمان ومكان خارج التاريخ، وما قاله هايدجر في ذلك هو بتأثير الثقافة اليهودية فيه، وما أخذه عنه الدكتور عبد الرحمن بدوى هو ذلك الجانب من اليهودية المتعلق بنفى الآخرة زمانا ومكانا، وفي كتابه «الزمان الوجودى» يشرح ذلك بإسهاب، فهو ابن الثقافة اليهودية بلا منازع، وكذلك معلمه هايدجر الألمانى! والمسلمون على الاعتقاد بوجود زمان ومكان خارج هذا الزمان وهذا المكان، واصطلحوا عليه باسم الآخرة، والجنة والنار، ولذلك قالوا بأن جنّات عدن هي دار المقام بالآخرة، وأما اليهود فقالوا إن عدن معناها البهجة والسرور، وجنة عدن هي حديقة الله لآدم على الأرض، فانظر إلى مقصد اليهود والمسلمين من تفسير كلمة عدن، والتفسير العربي هو المنطقى، لأن المعادن والمعدن وفعل عدن كلها مشتقة من الإقامة ولا تشتق من السرور. وما كانت جنة عدن العبرية دار سرور وبهجة، بل كانت دار نحس ورزء، لأن فيها عصى الله آدم فكان ما كان، وفي القرآن أن
417