37.رسول الأُمِّّيين
د. سلمان بن فهد العودة
يا رسولَ الله..
حبُّكَ في مهجتي كالدّرِ في الصدف ِ
والشذى في الروضةِ الأُنف ِ
والفراتِ العذبِ في الدِّيم ِ
ليس كالمختارِ في البشر ِ ..
فهو كلُّ السمعِ والبصرِ ..
واحدُ التاريخِ والسيرِ ..
وإمامُ الرسلِ والأُمم ِِ
لقد قرأْتُ سير المصلحين والعظماء والزعماء وأئمة المذاهب الكبار, حتى إني قد أشعر حين أقرأ عن أحدهم أني أمام جبل وعر صعب المرتقى؛ لأنهم أخذوا أنفسهم بشيء من الجدّ الذي يصيب المرء بالعجز عن إدراكه وصعوبة الاقتداء به، وربما استحالته, أمّا إمام هؤلاء جميعاً وسيّدهم قاطبة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فتشعر وأنت تقرأ سيرته بالسهولة والقابليّة للتطبيق والقرب من النفس البشريّة وطباع الناس، وهذا سرّ بديع من أسرار إعجاز الشخصيّة النبويّة.
وهو صلى الله عليه وسلم قائد الركب وسيد ولد آدم:
وَكلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ غَرْفاً مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفاً مِنَ الدِّيَمِ
وهذا المعنى - والله أعلم- هو سر بشريّته وعظمته في آن.
وثمة شيء آخر: وهو أنه ما من إنسان إلا وفي شخصيّته جوانب غموض وخفاء والتباس من القدماء والمحدثين والعباقرة والفلاسفة وغيرهم، بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم - سيرته كتاب مفتوح مقروء، يقرؤها الأصدقاء والأعداء، والعلماء والبسطاء، وينزل عليه الوحي في أخص أموره عليه السلام؛ فيقوم ويقرؤه على الناس ويقرأ عليهم في مكة قوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) [الحاقة:44-47]، أمام المؤمن والمشرك والوثنيّون يحاربونه ويشنون عليه حملات إعلاميّة وكلاميّة باحثين عن أيّ ثغرة ينفذون منها للطعن في مصداقيّة الدعوة والداعية، فلم يكن ذلك يثنيه عن التبليغ بكل شيء ولو كان هذا الشيء معاتبة له من الله عز وجل.
وفي المدينة: يتربّص يهودها ومنافقوها بهذا الدين الدّوائر، ويرجعون البصر كرّة وكرّتين في حقيقة الرسالة:
هل يرون من فطور؟
ومع ذلك كان يقرأ على الناس من القرآن قوله تعالى: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ)[الأحزاب:37]، وقوله: (عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى)[عبس:2]، وكان يعلّمها أصحابه ويؤمّهم بها في الصلاة، وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكتبون كل كلمة وحرف ويدوّنون كل همسة ولمسة تصدر منه صلى الله عليه وسلم؛ فسيرته سجّل مفتوح للناس كلهم أجمعين ومدوّنة واضحة دقيقة في كل شيء يخصّه عليه أفضل الصلاة والسلام.
وبكل هذا الجلاء في سيرته دون استثناء كان أمثل خلق (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4]؛ وأصدق لسان (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) [النجم:3]، وأبين حجة (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [الشعراء:195]، وهو في كل ذلك "إنسان" له صفات الإنسان؛ ليكون أيسر في الاتّباع وأسهل في الاقتداء، ولكي يعلم الأتباع المؤمنون - ولو بعد عدّة قرون - أن مشاعر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأحاسيسه ليست بدعاً من المشاعر، وأن ما يلحق الناس من أذى ومضايقة من المشركين وغيرهم أو فرح وسرور ينال النبي -صلى الله عليه وسلم- منه أوفر الحظ والنصيب، فغدت هذه الأيام التي يداولها الله على الناس تبييناً لمعدن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسمُوِّ أرومته، وطريقة تعامله مع الأحداث المختلفة والظروف العادية والاستثنائية (لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:165].
وسيّد الرسل هو محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي كان كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فهل لهما من بديل أو عنهما من عِوض؟