وقد أورد المهتدي الشيخ زيادة نصاً عن إشعياء يتضمن أن "دوما" – وهي إحدى البلاد التي عمرها أحد أبناء إسماعيل عليه السلام – تستغيث بلسان حالها إلى الله سبحانه وتعالى أن يرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم ، ليخرجها من الظلمات إلى النور. فعلى ذلك يتيسر تأويل بقية النص الوارد إلى المعاني المجازية، فيكون المراد بالأنهار والعيون، وازدياد الخير والنماء وتبدل حال القفار ... هو انتشار الرسالة، وعموم نور الإسلام، وكثرة العلماء والدعاة الذين يرد إليهم الناس لسؤالهم والاستفادة من علمهم الذي هو للروح كالماء للجسد. وقد يكون من حكمة الله أن تظل هذه النصوص بهذه الألفاظ، لأنها لو وردت ظاهرة لتلقفتها أيدي اليهود النصارى بالتحريف والتغيير.
وبناء على ذلك يكون هذا النص – سواء كان ظاهراً أم مؤولاً – دالاً على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه ذكر الضعفاء والمساكين في البادية العطشى بين الجبال والقفار، وقد كانت أمته قبل بعثته على هذه الحال من الضعف والمسكنة والبداوة والسكنى بين الجبال وفي القفار والأودية العطشى.
البشارة الحادية عشر: قول إشعاء في الفصل الحادي والعشرين: (لتسبحني وتحمدني حيوانات البر من بنات آوى حتى النعائم، لأني أظهرت الماء في البدو، وأجريت الأنهار في بلد أشيمون، لتشرب منها أمتي المصطفاة فلتشرب منه أمتي التي اصطفيتها) وما ورد في هذه النبوة يؤكد ما جاء في النبوة السابقة، ويؤكد أيضاً تأويل الماء بالرسالة.
البشارة الثانية عشر: قول إشعياء في الفصل الثالث والعشرين متحدثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: (اسمعي أيتها الجزائر، وتفهمي يا أيتها الأمم، إن الرب أهاب بي من بعيد، وذكر اسمي وأنا في الرحم، جعل لساني كالسيف الصارم وأنا في البطن، وأحاطني بظل يمينه، وجعلني في كنانته كالسهم المختار وخزنتي لسره، وقال لي: إنك عبدي. فصرفي وعدلي قدام الرب حقا، وأعمالي بني يدي إلهي، وصرت محمداً عند الرب، وبإلهي حولي وقوتي) قال المهتدي الطبري: فإن أنكر منكر اسم محمد في الباب. فليكن محموداً، فلن يجد إلى غير ذلك من الدعاوي سبيلاً.
البشارة الثالثة عشر: قول إشعياء في الفصل الرابع والعشرين: (هكذا يقول الرب قدوس إسرائيل للذي كانت نفسه مسترذلة مهانة، ولمن كانت الأمم تستخف به، وأتباع السلطان يهينونه، ستقوم له الملوك إذا رأوه، وتسجد له السلاطين، لأن وعد الله حق، وهو قدوس إسرائيل الذي انتخبك واختارك، وهو الذي يقول أجبتك عند الرضى، وترث تواريث الخرابات، وتقول للأسرى: أخرجوا وانفكوا، وللمحبسين اظهروا وانطلقوا.. ويتوافى القوم من بلد شاسع بعيد: بعض من جهة الجريباء، وبعض من البحر، وبعض من بحر سنيم. فسبحي أيتها السماء، واهتزي أيتها الأرض فرحاً، وابتهجي أيتها الجبال بالحمد، فقد تلاقى الرب شعبه، ورحم المساكين من خلقه) ولم تتحقق هذه المعاني مجتمعة إلا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد كانت أمته قبل بعثته أمة مسترذلة مستضعفة، وببعثته صلى الله عليه وسلم أذعنت لهم الملوك، واستسلمت لهم الجبابرة، وقضوا على الإمبراطوريات القائمة، وحكموا البلاد والعباد.
أما قوله: (جعلتك ميثاقاً للشعوب). فهو متفق مع قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) والذي جاء مصدقاً لما معهم هو محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه).
أما قوله: نوراً للأمم. فهو متفق أيضاً مع قوله تعالى: (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون). وقوله تعالى: (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء) وقوله تعالى: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا).