تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الطريق الثالث: أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه فإن عين السخط تبدي المساوي. ولعل انتفاع الإِنسان بعدوٍ مشاحن يذكِّرهُ عيوبه أكثر من انتفاعه بصديقٍ مداهنٍ يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه، إلا أن الطبع مجبول على تكذيب العدوّ وحملِ ما يقولهُ على الحسد، ولكن البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه فإن مساويه لا بدّ وأن تنتشر على ألسنتهم.

الطريق الرابع: أن يخالط الناس فكل ما رآه مذموماً فيما بين الخلق فليطالب نفسه به وينسبها إليه، فإن المؤمن مرآة المؤمن، فيرى من عيوبِ غيره عيوبَ نفسه ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى. فما يتصف به واحد من الأقران لا ينفك القرين الآخر عن أصله أو عن أعظم منه أو عن شيء منه، فليتفقد نفسه ويطهرها من كل ما يذمه من غيره وناهيك بهذا تأديباً، فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب.

==================

التوبة سعادة الدارين

رضوان سلمان حمدان

الحاجة إلى التوبة تعادل الحاجة إلى مقومات الحياة لدى الإنسان على مستوى الفرد والجماعة إن لم تزد, فإذا كان الهواء والماء والطعام تشكل الحياة المادية للإنسان ليمارس حركته أياً كانت في الوجود؛ فإن التوبة هي تجديد وتجدد لهذه الحياة وتنشيط لها في الجانب الإيجابي لحركة الحياة وتزيد عليها أنها تطّلع إلى ما بعد الحياة الدنيا, من هنا نلمح السر في التعقيب بالفلاح في قوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها لمؤمنون لعلكم تفلحون﴾ فالفلاح مطلق عن قيود ومحددات الزمان والمكان في الدنيا والآخرة.

فالرحمن الرحيم يأمر عباده أن يتوجهوا إليه بالتوبة في أمر مباشر سبع مرات من مجموع 87 مرة عدد ورود "التوبة" في القرآن بصيغ واشتقاقات مختلفة. وفي سورتي النور والتحريم يأتي الأمر المباشر للمؤمنين بالتوبة ونلحظ ما يلي:

1 - أن الأمر بالتوبة في سورة النور جاء تعقيبا على أحكام شرعية وقضايا وأحداث وقعت في المجتمع المسلم كان لها تأثير على المجتمع هزتهم هزاً عنيفا , وتتمثل في ما يلي: حكم الزنا وعقوبته , والملاعنة بين الزوجين , وحديث الإفك الخطير وما تبعه من بيان وتنبيهات صارمة, ورمي المحصنات والتشديد فيه, والأمر بغض البصر للذكور والإناث وهو حكم شرعي تساهل فيه المسلمون اليوم كثيراً, وبيان حدود الزينة للمرأة ومن يجوز لها أن تظهرها أمامهم. بعد كل ذلك يأتي التعقيب في نهاية آية طويلة ﴿ ... وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾. يقول القرطبي: والمعنى: وتوبوا إلى الله فإنكم لا تخلون من سهو وتقصير في أداء حقوق الله تعالى، فلا تتركوا التوبة في كل حال.

2 - جاء الطلب بصيغة الأمر والأمر يفيد الوجوب فالتوبة فرض متعين وهذا يعني أن عدم الاستجابة لأمر الله في التوبة إثم يضاف إلى الإثم الأصلي المطلوب التوبة منه.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٧٠٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٧٠٥٩