تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قصر الأمل

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: "إذا أصبحت فلا تحدِّث نفسك بالمساء وإذا أمسيتَ فلا تحدث نفسك بالصباح، وخُذْ من حياتك لموتك، ومن صحتك لسقمك، فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غداً". [أخرجه ابن حبان ورواه البخاري من قول ابن عمر في آخر حديث "كن في الدنيا كأنك غريب".

وروي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ ثلاثة أعواد فغرز عوداً بين يديه، والآخر إلى جنبه، وأما الثالث فأبعده، فقال: (هل تدرون ما هذا؟)، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (هذا الإِنسان وهذا الأَجل وذاك الأمل يتعاطاه ابن آدم ويختلجه الأجل دون الأمل) وقال عليه الصلاة والسلام: (مثل ابن آدم وإلى جنبه تسع وتسعون منيةً إنْ أخطأته المنايا وقع في الهرم) قال ابن مسعود: هذا المرء وهذه الحتوف حوله شوارع إليه، والهرم وراء الحتوف، والأمل وراء الهرم، فهو يؤمل وهذه الحتوف شوارع إليه فأيها أمر به أخذه فإن أخطأته الحتوف قتله الهرم وهو ينتظر الأجل.

قال عبد الله: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً مربعاً، وخط وسطه خطاً، وخط خطوطاً إلى جنب الخط، وخط خطاً خارجاً وقال: "أتدرون ما هذا؟ " قلنا الله ورسوله أعلم، قال: "هذا الإِنسان - للخط الذي في الوسط - وهذا الأجل محيط به، وهذه الأعراض - للخطوط التي حوله - تنهشه إن أخطأه هذا نهشه هذا، وذاك الأمل" [أخرجه البخاري]- يعني الخط الخارجي.

وقال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنان الحرص والأمل". [أخرجه مسلم].

بيان السبب في طول الأمل وعلاجه

اعلم أن طول الأمل له سببان، أحدهما: الجهل، والآخر: حب الدنيا.

أما حب الدنيا: فهو أنه إذا أَنِسَ بها وبشهواتها ولذاتها وعلائقها ثَقُلَ على قلبه مفارقتها، فامتنع قلبه من الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، وكل من كره شيئاً دفعه عن نفسه.

وأما الجهل: فهو أن الإِنسان قد يعوّل على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشباب، وليس يتفكر المسكين أن مشايخ بلده لو عُدُّوا لكانوا أقل من عُشْرِ رجال البلد، وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر فإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وشاب. وقد يستبعد الموت لصحته ويستبعد الموت فجأة، ولا يدري أنّ ذلك غير بعيد، وإن كان ذلك بعيداً فالمرض فجأة غير بعيد، كل مرض فإنما يقع فجأة، وإذا مرض لم يكن الموت بعيداً.

وإذا عرفت أن سببه الجهل وحب الدنيا فعلاجه دفع سببه.

(أما الجهل) فيدفع بالفكر الصافي من القلب الحاضر وبسماع الحكمة البالغة من القلوب الطاهرة.

(وأما حب الدنيا) فالعلاج في إخراجه من القلب شديد، وهو الداء العضال الذي أعيا الأولين والآخرين علاجه، ولا علاج له إلا الإِيمان باليوم الآخر وبما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب، ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا، فإن حب الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير، فإذا رأى حقارة الدنيا ونفاسة

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٧٠٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٧٠٥١