تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في عمله أتم، ولا يظنن ظان أن قصر الأمل يحول دون إعمار الدنيا، فالأمر ليس كذلك بل عمارة الدنيا مع قصر الأمل تكون أقرب إلى العبادة، إن لم تكن عبادة خالصة، ففارق بين مَنْ يعمل بالسياسة قياماً بحق الله، وبين من يعمل فيها من أجل شهوة نفسه.

إن قصر الأمل وتذكر الموت ينقلان الإِنسان من الطور الثاني إلى الطور الأول، ومن ههنا وغيره يأخذ تذكر الموت وقصر الأمل أهميتها كوسيلتين من وسائل تزكية النفس، وهاك بعض كلام الغزالي في هذا وذاك.

قال الإمام الغزالي رحمه الله:

ذكر الموت

أما بعد، فجدير بمن الموت مصرعه، والتراب مضجعه، والدود أنيسه، ومنكر ونكير جليسه، والقبر مقره وبطن الأرض مستقره، والقيامة موعده، والجنة أو النار مورده، أن لا يكون له فكر إلا في الموت ولا ذكر إلا له، ولا استعداد إلا لأجله، ولا تدبير إلا فيه، ولا تطلع إلا إليه، ولا تعريج إلا عليه، ولا اهتمام إلا به، ولا حول إلا له، ولا انتظار وتربص إلا له، وحقيق بأن يعد نفسه من الموتى ويراها في أصحاب القبور، فإن كل ما هو آت قريب والبعيد ما ليس بآت، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكَيِّسُ من دانَ نفسه وعمل لما بعد الموت" [أخرجه الترمذي وحسنه] ولن يتيسر الاستعداد للشيء إلا عند تجدد ذكره على القلب، ولا يتجدد ذكره إلا عند التذاكر بالإِصغاء إلى المذكرات له والنظر في المنبهات عليه، ليكون ذلك مُستحثاً على الاستعداد فقد قرب لما بعد الموت الرحيل فما بقي من العمر إلا القليل والخلق عنه غافلون ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1].

في ذكر الموت والترغيب في الإِكثار من ذكره

اعلم أن المنهمك في الدنيا المكِّبَ على غرورها المحبَّ لشهواتها يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت فلا يذكره وإذا ذكِّر به كرهه ونفر منه، أولئك هم الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: 8] ثم الناس: إما منهمكٌ، وإما تائب مبتدئ، أو عارف منته. أما المنهمك: فلا يذكر الموت، وإنْ ذكره فيذكره للتأسف على دنياه ويشتغل بمذمته، وهذا يزيده ذكر الموت من الله بُعداً. وأما التائب: فإنه يكثر من ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف والخشية فيفي بتمام التوبة وربما يكره الموت خيفة من أن يختطفه قبل تمام التوبة وقبل إصلاح الزاد، وهو معذور في كراهة الموت ولا يدخل هذا تحت قوله صلى الله عليه وسلم: "من كره لقاء الله كره الله لقاءه". [متفق عليه] فإن هذا ليس يكره الموت ولقاء الله وإنما يخاف فوت لقاء الله لقصوره وتقصيره، وهو كالذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلاً بالاستعداد للقائه على وجهٍ يرضاه فلا يعد كارهاً للقائه. وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له لا شغل له سواه وإلا التحق بالمنهمك في الدنيا، وأما العارف: فإنه يذكر الموت دائماً لأنه موعدُ لقائه لحبيبه، والمحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب، وهذا في غالب الأمر يستبطئ مجيء الموت ويحب مجيئه ليتخلص من دار العاصين وينتقل إلى جوار رب العالمين.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٧٠٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٧٠٥٠