كذب بين مسلمين ليصلح بينهما". [أخرجه أحمد بزيادة فيه وهو عند الترمذي مختصراً وحسنه].
الآفة الخامسة عشر: الغيبة
والنظر فيها طويل فلنذكر أولاً مذمة الغيبة وما ورد فيها من شواهد الشرع، وقد نص الله سبحانه على ذمها في كتابه وشبه صاحبها بآكل لحم الميتة، فقال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12] وقال عليه الصلاة والسلام: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" [أخرجه مسلم] والغيبة تتناول العرض وقد جمع الله بينه وبين المال والدم، وقال أبو برزة: قال عليه الصلاة والسلام: "لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تناجشوا ولا تدابروا ولا يغتب بعضكم بعضاً وكونوا عباد الله إخواناً" [متفق عليه].
وقال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مررت ليلة أسري بي على أقوام يخمشون وجوههم بأظافيرهم فقلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم". [أخرجه أبو داود]. وقال البراء: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العواتق في بيوتهن فقال: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته". [أخرجه أبو داود].
وقال ابن عباس: إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك. وقال أبو هريرة: يبصر أحدكم القذى في عين أخيه ولا يبصر الجذع في عين نفسه.
بيان أن الغيبة لا تقتصر على اللسان
اعلم أن الذكر باللسان إنما حرم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه، فالتعريض به كالتصريح والفعل فيه كالقول، والإِشارة والإِيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة وكل ما يفهم فهو داخل في الغيبة وهو حرام.
بيان الأسباب الباعثة على الغيبة
اعلم أن البواعث على الغيبة كثيرة ولكن يجمعها أحد عشر سبباً: ثمانية منها تطّرد في حق العامة، وثلاثة تختص بأهل الدين والخاصة.
أما الثمانية:
فالأول أن يشفي الغيظ.
الثاني: موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام.
الثالث: أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده ويطّول لسانه عليه أو يقبح حاله عند محتشم، أو يشهد عليه بشهادة فيبادره قبل أن يقبّح هو حاله ويطعن فيه ليسقط أثر شهادته، أو يبتدئ بذكر ما فيه صادقاً ليكذب عليه بعده فيروّج كذبه بالصدق الأول ويستشهد ويقول: ما من عادتي الكذب، فإني أخبرتكم بكذا وكذا من أحواله فكان كما قلت.
الرابع: أن ينسب إلى شيء فيريد أن يتبرأ منه فيذكر الذي فعله، وكان من حقه أن يبرئ نفسه ولا يذكر الذي فعل فلا ينسب غيره إليه، أو يذكر غيره بأنه كان مشاركاً له في الفعل ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله.