ولا بد من حمل قولهم هذا على الوجه الثاني دون الأول كما أوضحت، وأن تغاضيهم عن هذا البيان والتفصيل إنما كان للعلم به لا لإنكاره، فيتنبه له.
شروط حجيِّة السنة الشريفة:
السنة الشريفة حجة كما تقدم، سواء أكانت قولية أم فعلية أم تقريرية، ولكن هذا ليس على إطلاقه، فإن تصرفاته صلى الله عليه وسلم الفعلية أو القولية أو التقريرية تنقسم إلى قسمين:
قسم يفعله بصفته التشريعية التبليغية عن الله تعالى، وقسم يفعله بصفته البشرية الجبلية،
فمن القسم الأول كل ما يتعلق بالأحكام والحلال والحرام، ومن القسم الثاني كل الأمور الخاصة به التي مبناها على الجبلة والطبيعة البشرية كطريقته صلى الله عليه وسلم في نومه ومشيته ولباسه وترتيبه للجيوش وتنظيمه لأثاث بيته وغير ذلك.
فما كان من القسم الأول فداخل في نطاق التشريع والإلزام، ويعد مصدرا أصليا للشريعة الإسلامية لما تقدم.
وما كان من القسم الثاني فإنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لا إلزام ولا حجية فيه على أحد، ولذلك فإننا نرى الفقهاء يستثنون من السنة الشريفة الملزمة أمورا ثلاثة لا يعتبرون فيها حجية ما. وهذه الأمور هي:
1 - والأعمال التي يقوم بها النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى طبيعته البشرية، وجبلته الإنسانية، كطعامه وشرابه وقيامه وقعوده ومشيته ولباسه وغير ذلك.
2 - الأقوال التي تصدر عنه بمقتضى خبرته الإنسانية غير المعتمدة على الوحي وغير المتصلة بالأمور التشريعية، كصف الجيش، وطبخ الطعام وغيره، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر أنه صف الجيش على شكل معين وفي موضع محدد، فسأله أحد الصحابة وهو الحباب بن المنذر: أهذا منزل أنزلك الله إياه ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال الحباب: إذا ليس لك هذا بمنزل، وأشار بتغييره، فوافق النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فدل هذا على أن ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أولا ليس بتشريع ملزم، وكذلك حادثة تأبير النخل، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لهم ثانيا: أنتم أعلم بأمور دنياكم، دليل على ذلك أيضا، لأن هذه الأمور تقوم على الخبرة الإنسانية المجردة عن الوحي، ونحن إنما اعتبرنا السنة الشريفة حجة لاستنادها إلى الوحي فلما انفصلت عنه لم يعد فيها حجية.
3 - ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل وقام دليل خاص على اعتباره خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يعم غيره، فإنه لا يعتبر تشريعا لعامة المسلمين لهذا الدليل، من ذلك إباحة الله له التزوج بأكثر من أربع نسوة مع تحريم ذلك على المؤمنين بنص القرآن الكريم، أو قام الدليل على اعتباره خاصا بحالة واحدة، كشهادة خزيمة.