السنة حجة وواجبة الاتباع للأدلة المتقدمة، ولكن هل هي في مرتبة القرآن الكريم، أم هي في مرتبة أدنى منه؟.
والجواب أن السنة الشريفة ن حيث مصدريتها للأحكام الشرعية تعد في مرتبة القرآن الكريم تماما، إذ هي دليل قاطع على حكم الله تعالى سبحانه ما دامت صحيحة بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما تقدم من الأدلة، فلا فرق والحال هذه بين حكم الله تعالى الذي ورد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه ومعناه (القرآن الكريم) وبين حكم الله الذي ورد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه دون لفظه (السنة الشريفة)، ما دام مصدر الحكم في الحالتين هو الله تعالى، ولذلك أجاز جمهور الفقهاء نسخ السنة الشريفة بالقرآن الكريم، ونسخ القرآن الكريم بالسنة الشريفة، أما الشافعية فقد خالفوا ذلك ولم يجيزوا نسخ القرآن الكريم بالسنة، ولكن هذه المخالفة ليست بسبب نزول السنة الشريفة ن مرتبة القرآن عندهم، بدليل أنهم لم يجيزوا نسخ السنة الشريفة بالقرآن الكريم أيضاً، ولكن لأن كلا من السنة الشريفة والقرآن الكريم مصدر مستقل بذاته. والنسخ يقتضي رجحان الناسخ على المنسوخ، ولا رجحان هنا لأحدهما على الآخر فلا ينسخ به.
وهذا بطبيعة الحال إذا تساوت السنة الشريفة بالقرآن الكريم من حيث الثبوت، بأن كانت السنة الشريفة متواترة، إذ القرآن الكريم متواتر كله جملة وتفصيلاً، أما السنة الشريفة الآحادية، فهي في مرتبة دون القرآن الكريم بالإجماع، ولكن لا لأنها سنة بل لأنها دون مرتبته في الثبوت، فهو متواتر قطعي وهي آحادية ظنية.
هذا من حيث مصدرية السنة الشريفة للأحكام، أما من حيث الحاجة إليها في استيفاء الأحكام، فهي في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم، ذلك لأسباب عدة أهمها:
أ) القرآن الكريم قطعي الثبوت كله بالإجماع، أما السنة الشريفة فهي آحادية ظنية الثبوت في معظمها، إذا المتواتر منها بقليل، وحتى في هذا القليل تختلف أنظار الفقهاء، حتى يكاد لا يخلو حديث متواتر واحد من الاختلاف في تواتره بين الفقهاء، وما كان قطعي الثبوت بالإجماع لاشك أولى بالتقديم في الرجوع إليه من المختلف على قطعيته ().
ب) السنة الشريفة: بينة للكتاب وشارحة لنصوصه، فهو على ذلك أصل بالنسبة لها، وهي له تبع، وطبعي أن يحتاج إلى الأصل قبل التبع، ثم إنه لو سقط المبيَّن لسقط البيان ولا عكس، ولذلك كانت بعده.
ج) ما جاء في حديث معاذ بن جبل حينما أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقد قدم القرآن الكريم على السنة الشريفة وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ذلك دليلا على تقديم القرآن الكريم عليها، ولكن ينبغي أن ينحصر هذا التقديم في الحاجة إليها فقط، ولا يتعداه إلى مصدريتها، لأنها في ذلك في مرتبة تساوي القرآن الكريم تماما كما تقدم.
د) القرآن الكريم محصور في نصوص محدودة يسهل الرجوع إليها واستقصاؤها، أما السنة الشريفة فغير محصورة، بل هي واسعة جدا، فكان في تأخير الرجوع إليها بعد القرآن الكريم وجها مقبولا، هذا ولا بد من التنبيه هنا إلى أن أكثر الأصوليين ساروا على أن السنة الشريفة في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم دون تفصيل،