كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ فَالْآيَتَانِ تَدُلَّانِ عَلَى نَفْيِ الْفَهْمِ مُطْلَقًا. وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ الْفِقْهَ لُغَةً هُوَ فَهْمُ الشَّيْءِ الدَّقِيقِ , يُقَالُ: فَقِهْت كَلَامَك , أَيْ مَا يَرْمِي إلَيْهِ مِنْ أَغْرَاضٍ وَأَسْرَارٍ , وَلَا يُقَالُ فَقِهْت السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ. وَالْمُتَتَبِّعُ لِآيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ يُدْرِكُ أَنَّ لَفْظَ الْفِقْهِ لَا يَأْتِي إلَّا لِلدَّلَالَةِ عَلَى إدْرَاكِ الشَّيْءِ الدَّقِيقِ , كَمَا فِي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ وَأَمَّا الْآيَتَانِ السَّابِقَتَانِ فَلَيْسَ الْمَنْفِيُّ فِيهِمَا مُطْلَقَ الْفَهْمِ , وَإِنَّمَا الْمَنْفِيُّ فِي قَوْلِ قَوْمِ شُعَيْبٍ - عليه السلام - إدْرَاكُ أَسْرَارِ دَعْوَتِهِ , وَإِلَّا فَهُمْ فَاهِمُونَ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ , وَالْمَنْفِيُّ فِي آيَةِ الْإِسْرَاءِ إدْرَاكُ أَسْرَارِ تَسْبِيحِ كُلِّ شَيْءٍ لِلَّهِ تَعَالَى , وَإِلَّا فَإِنَّ أَبْسَطَ الْعُقُولِ تُدْرِكُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لِأَنَّهَا مُسَخَّرَةٌ لَهُ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَاَلَّذِي يَعْنِينَا إنَّمَا هُوَ مَعْنَى الْفِقْهِ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ , لِأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّصِلُ بِبَحْثِنَا.
تَعْرِيفُ الْفِقْهِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ:
2 - الْفِقْهُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ أَخَذَ أَطْوَارًا ثَلَاثَةً: الطَّوْرُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْفِقْهَ مُرَادِفٌ لِلَفْظِ الشَّرْعِ , فَهُوَ مَعْرِفَةُ كُلِّ مَا جَاءَ عَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى , سَوَاءٌ مَا يَتَّصِلُ بِالْعَقِيدَةِ أَوْ الْأَخْلَاقِ أَوْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا عَرَّفَهُ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ - رضي الله عنه -: " هُوَ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا ". وَلِهَذَا سَمَّى كِتَابَهُ فِي الْعَقَائِدِ: " الْفِقْهُ الْأَكْبَرُ ". الطَّوْرُ الثَّانِي: وَقَدْ دَخَلَهُ بَعْضُ التَّخْصِيصِ , فَاسْتُبْعِدَ عِلْمُ الْعَقَائِدِ , وَجُعِلَ عِلْمًا مُسْتَقِلًّا سُمِّيَ بِعِلْمِ التَّوْحِيدِ أَوْ عِلْمِ الْكَلَامِ أَوْ عِلْمِ الْعَقَائِدِ. وَعُرِفَ الْفِقْهُ فِي هَذَا الطَّوْرِ بِأَنَّهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُسْتَمَدَّةِ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالْفَرْعِيَّةِ مَا سِوَى الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْعَقَائِدُ , لِأَنَّهَا هِيَ أَصْلُ الشَّرِيعَةِ , وَاَلَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا كُلُّ شَيْءٍ. وَهَذَا التَّعْرِيفُ يَتَنَاوَلُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ الْعَمَلِيَّةَ الَّتِي تَتَّصِلُ بِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ الْفَرْعِيَّةَ الْقَلْبِيَّةَ كَحُرْمَةِ الرِّيَاءِ وَالْكِبْرِ وَالْحَسَدِ وَالْعُجْبِ , وَكَحِلِّ التَّوَاضُعِ وَحُبِّ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ , إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَتَّصِلُ بِالْأَخْلَاقِ. الطَّوْرُ الثَّالِثُ: - وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ الْعُلَمَاءِ إلَى يَوْمِنَا هَذَا - أَنَّ الْفِقْهَ هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُسْتَمَدَّةِ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ. وَعَلَى هَذَا فَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْفَرْعِيَّةُ الْمُتَّصِلَةُ بِأَعْمَالِ الْقَلْبِ أُفْرِدَ لَهَا عِلْمٌ خَاصٌّ عُرِفَ بِاسْمِ عِلْمِ التَّصَوُّفِ أَوْ الْأَخْلَاقِ.
3 - يَتَّضِحُ مِنْ التَّعْرِيفِ الْأَخِيرِ أُمُورٌ لَا بُدَّ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَيْهَا وَهِيَ:
أ - أَنَّ الْعِلْمَ بِالذَّوَاتِ أَوْ الصِّفَاتِ لَيْسَ فِقْهًا , لِأَنَّهُ لَيْسَ عِلْمًا بِالْأَحْكَامِ.
ب - وَالْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ وَاللُّغَوِيَّةِ وَالْوَضْعِيَّةِ (أَيْ الَّتِي تَوَاضَعَ أَهْلُ كُلِّ عِلْمٍ أَوْ فَنٍّ عَلَيْهَا) لَيْسَ فِقْهًا أَيْضًا , لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عِلْمًا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
ج - وَالْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ الدِّينِ أَوْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَلْبِيَّةِ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى أَعْمَالِ الْقُلُوبِ كَحُرْمَةِ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالرِّيَاءِ وَالْكِبْرِ وَوُجُوبِ مَحَبَّةِ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ لَيْسَتْ مِنْ الْفِقْهِ فِي اصْطِلَاحِ هَؤُلَاءِ , وَكَذَا الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ كَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْآحَادِ , أَوْ وُجُوبِ التَّقَيُّدِ بِالْقِيَاسِ , إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ مِنْ الْفِقْهِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَحْكَامًا عَمَلِيَّةً , بَلْ هِيَ أَحْكَامٌ عِلْمِيَّةٌ قَلْبِيَّةٌ أَوْ أُصُولِيَّةٌ.