والمرونة في التطبيق يعطي للفقه الإسلامي ميزة خاصة دون غيره من التشريعات المعاصرة ذلك أن هذه التشريعات وإن كانت تحاول مسايرة العصر بالتغيير المستمر والتجديد الدائم، فإنها تفتقر في الغالب إلى معايير وأسس وقواعد ثابتة حتى لا يفضي بها التغير إلى أن تتلاشى معالمها الأصلية ودعائمها الأساسية. بل إن كثيرا من التشريعات تتغير أصولها وقواعدها وكثيراً ما يعتريها التغيير والتبديل وبذلك تكون عرضة للتلاعب من قبل الواضع لتلك التشريعات.
سادسا: عدم الحرج وقلة التكليف:
ليس في التكاليف الإسلامية شيء من الحرج والشدة وليس في أحكام الفقه شيء مما يعسر على الناس وتضيق به صدورهم. فمن تتبع أحكام الفقه الإسلامي وجد مظاهر رفع الحرج جلية واضحة ووجد أن جميع التكاليف في ابتدائها ودوامها قد روعي فيها التخفيف والتيسير على العباد. فقد أوجب الله الصلاة على المكلف في اليوم خمس مرات لا يزيد وقت كل صلاة عن دقائق قليلة. وأوجب عليه أن يؤديها قاعدا إذا لم يستطع القيام. وكذلك الصيام، فرضه شهرا في السنة، فالمشقة فيه لا تصل إلى درجة العسر والحرج ومع ذلك فقد أباح الفطر في حالتي السفر والمرض. وقد حرم الميتة لكنه أباحها عند الضرورة.
وشرع الكفارات لتمحو آثار الذنوب. إلى غير ذلك مما يدل على مراعاة السهولة ورفع الحرج في التشريع حتى لا يضعف الناس عن أداء ما أوجبه عليهم وتضعف عزائمهم إزاء ما شرعه لمصالحهم والواجبات في الفقه الإسلامي قليلة يمكن العلم بها في زمن وجيز، وليست كثيرة التفاصيل والتفاريع ليسهل علمها والعمل بها يشهد بذلك قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤ كم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين)) فإن الله تعالى ينهانا عن التعمق في المسألة والتشديد فيها لئلا يكون ذلك سببا في فرض أحكام لم تكن مفروضة فنعجز عن الامتثال لكثرة الفرائض فنهلك مع الهالكين فهذه الآية تشير إلى أن الله تعالى قد راعى قلة التكاليف حتى يسهل علينا الامتثال وحتى لا نقع في العنت والمشقة.
سابعا: الثراء والغنية:
فالمتتبع لمؤلفات الفقه الإسلامي يجد فيها مادة علمية خصبة وثراء فكريا كبيرا يتضح ذلك من خلال آراء الفقهاء المتشعبة ومذاهب العلماء المتعددة والتي رغم كثرتها وتباينها وتنوعها لا تخرج عن الإطار العام للشريعة الإسلامية.
فأنت تجد مثلا في الفقه الإسلامي أربعة مذاهب سنية كبرى مشهورة وتجد داخل كل مذهب عددا من الأقوال والروايات المنسوبة إلى إمام المذهب أو تلاميذه هذا فضلا عن المذاهب المندثرة لعلماء الصدر الأول. من كل ما سبق يصل القارئ إلى فكرة أساسية هي أن الفقه الإسلامي لا ينحصر في مذهب إمام معين ولا في قول طائفة محصورة من الناس، بل هي مجموعة من الآراء ترجع إلى الكتاب والسنة في نهاية المطاف. وهذا الثراء في الفقه الإسلامي يجعله كذلك أكثر قابلية للتطور والنماء ومسايرة روح الحضارة كما يجعله أكثر بعداً عن الجمود والتحجر، لأن هذا التنوع