كان يقول: آخذ ما في كتاب الله وبما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و ربما اشترط زيادة عن الصحة الشهرة فيما تقتضيه الشهرة في الأحكام والمسائل، فإن لم أجد آخذ بقول الصحابة، آخذ بقول من شئتُ منهم و أدع قول من شئتُ منهم عندما يختلفون ولكني ألزم نفسي بالأخذ من الصحابة وإذا لم أجد وآل الأمر إلى إبراهيم النخعي وإلى التابعين كالأوزاعي، فإني أجتهد كما اجتهدوا ولا ألزم نفسي باتِّباع رأي واحد منهم ما دام الأمر اجتهادياً. و كان يأخذ بحديث الآحاد و يعمل بها ما أمكن.
مثال: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20] وحديث النبي عليه الصلاة و السلام يقول: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "، متفق عليه، فحكم أنَّ أصل قراءة القرآن في الصلاة ركن، أمّا تقسيم القراءة للقرآن الكريم إلى الفاتحة وبعض ما تيسر من القرآن فواجب و بذلك عمل بالقرآن و السنة معاً.
وكذلك الطمأنينة في الركوع ليست فرضاً عند أبي حنيفة لإطلاق قوله تعالى: ﴿اركعوا﴾، أمّا الطمأنينة فثابتة بخبر الآحاد لذلك هي عنده واجبة.
ومن منهجه أنه يقدِّم السنّة القولية على الفعلية لجواز أن يكون الفعل خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم.
ويقدِّم السنّة المتواترة على خبر الآحاد عند التعارض و عدم إمكان الجمع بينهما، كالجمع في السفر حيث قال أنه جمع صوري وهكذا كان يفعل عبد الله بن عمر. أبو حنيفة لا يجيز للمسافر أن يجمع بين الصلوات ولكن القصر عنده واجب.
ويقدِّم السنّة ولو حديثاً مرسلاً أو ضعيفاً على القياس، لذلك قال بنقض الوضوء من الدم السائل معتمداً على حديث مرسل، و كذلك نقض وضوء و بطلان الصلاة بالقهقهة أيضاً بحديث مرسل.
ومن منهجه أيضاً الاستحسان: والاستحسان لغةً هو وجود الشيء حسناً و معناه طلب الأحسن للإتباع الذي هو مأمورٌ به كما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِي * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 17 - 18]. و هو عند الفقهاء نوعان:
1 - العمل بالاجتهاد و غالب الرأي في تقدير ما جعله الشرع مدلولاً إلى آرائنا نحو قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236]، أوجب ذلك بحسب اليسار والعسرة و شرط أن يكون بالمعروف، فعرفنا أنَّ المراد ما يُعرَف استحسانه بغالب الرأي ولا خلاف في هذا النوع.
2 - هو الدليل الذي يكون معارضاً للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل إمعان التأمّل فيه، و بعد إمعان التأمل في حكم الحادثة وأشباهها من الأصول يظهر أنَّ الذي عارضه فوقه في القوة، فإنّ العمل به هو الواجب، فسمّوه بذلك إستحساناً للتمييز بين هذا النوع من الدليل و بين الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام. مثاله: لو قال لامرأته: إذا حضتِ فأنت طالق، فقالت: قد حضتُ، فكذَّبها الزوج، فإنها لا تُصَدَّق في القياس باعتبار الظاهر وهو أنَّ الحيض شرط للطلاق كدخولها الدار وكلامها زيداً. وفي الاستحسان تُطَلَّق لأن الحيض شيء في باطنها لا يقف عليه غيرها، فلا بدمن قبول قولها فيه.