رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه ... ". وقد تناولت الكتابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قسماً كبيراً من أهم الأحاديث وأدقها لاشتمالها على أمهات الأمور وعلى أحكام دقيقة.
قوانين الرواية في عهد الصحابة:
اعتمد أئمة المفتين في هذا الدور و جلّ الصحابة قوانين محددة فيما يتعلق برواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، و أهم هذه القوانين هي التالية:
1 - التقليل من الرواية: خشية أن ينتشر الكذب و الخطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ عن سيدنا أبي بكر أنه جمع الناس بعد وفاة نبيهم عليه الصلاة و السلام فقال: " إنكم تحدِّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها و الناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدِّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا بيننا و بينكم كتاب الله فاستحِلّوا حلاله وحَرِّموا حرامه ".
2 - التَّثبت في الرواية: كان الصحابة يتثبَّتون فيما يُروى لهم، فلم يكن أبو بكر و لا عمر يقبلان من الأحاديث إلا ما شهد اثنان أنهما سمعاه من رسول الله صلى الله عليه و سلم و ذلك للأسباب التالية:
أ- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 105].
ب- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... ﴾ [الحجرات: 6].
ج- لما سُئِلَ الزبير بن العوّام لماذا لا تُحَدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدِّث فلان و فلان؟ قال: " أما إني لم أفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم و لكني سمعته يقول: " من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ".
د- ورد في الحديث الصحيح أنَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: " من حدَّث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذِبَين ".
إذاً فقد كان من طبع الصحابة الحرص الشديد و الخوف من الكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم كيف لا وقد مدحهم النبي صلى الله عليه و سلم فيما يرويه البخاري: " الله الله في أصحابي لا تسبوهم ولا تؤذوهم فمن آذاهم فقد آذاني و من آذاني فقد آذى الله، والذي نفسي بيده لو أنَّ أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم و لا نصيفه ".
روى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أنَّ جدةً جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تُوَرَّث فقال: " ما أجد لكِ في كتاب الله شيئاً وما علِمتُ أنَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر لكِ شيئاً "، ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: " سمعتُ رسول الله صلى الله عليه و سلم يعطيها السدس" فقال: "هل معك أحد "؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه (أي أعطاها السدس).
و عن سعيد أنَّ أبا موسى رضي الله عنه سلَّم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه من وراء الباب ثلاث مرات فلم يُؤذن له فرجع فأرسل عمر في أثره فقال: لم رجعت؟ قال:" سمعتُ رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إذا سلَّم أحدكم ثلاثاً فلم يجب فليرجع "، قال: "لتأتيني على ذلك ببيِّنة أو لأفعلنَّ بك "، فجاءنا أبو موسى منتقعاً