والكشف عنه صيغة صيغة، فلم يهملوا تحريكاً ولا تسكيناً و لا تفخيماً ولا ترقيقاً ... مما لم يهتد إليه فكر أمة من الأمم.
الأحرف السبعة مزية للقرآن على الكتب السماوية: قال الطبري في شرح حديث الأحرف السبعة: " ومعنى ذلك كله، الخبر منه صلى الله عليه وسلم عما خصه الله تعالى به وأمته من الفضيلة والكرامة التي لم يُؤتها أحداً في تنزيله. وذلك أن كل كتاب تقدم كتابَنا نزوله على نبي من أنبياء الله، صلوات الله عليهم، فإنما نزل بلسان واحد، متى حُول إلى غير اللسان الذي نزل به كان ذلك له ترجمة و تفسيراً لا تلاوة له على ما أنزله الله ... ومنها ظهور سر الله تعالى في توليه حفظ كتابه العزيز وصيانة كلامه المنزل بأوفى البيان والتمييز .. ".
ونشير هنا إلى أن الأحرف السبعة لا تعني القراءات السبعة بل تعني سبعة أوجه في الخلاف وقد وصل إلينا عشرة قراءات متواترة لكتاب الله تعالى. القراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي في كتابة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل و غيرهما. وقد عرَّف ابن الجزري القراءات بقوله: " علم القراءات، علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها حسب ناقليها ".
ه- جمع القرآن و ترتيبه:
كلمة جمع تأتي بمعنيين:
المعنى الأول: بمعنى حفظه و منه يقال جُمَّاع القرآن أي حُفَّاظه، و هذا المعنى هو الذي ورد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 17] ذلك أنه كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يجهد نفسه ويردد وراء جبريل حين كان ينزل عليه بالوحي خشية أن لا يحفظ ما اُنزِلَ عليه فأنزل الله تعالى هذه الآية تطميناً للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وتثبيتاً لفؤاده حيث أوضحت الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى قد تعهد بتحفيظه إياه وعدم نسيانه وتفهيمه معناه. المعنى الثاني، جمع القرآن بمعنى كتابته كله في صحيفة واحدة بين دفتي كتاب.
1 - جمع القرآن بمعنى حِفظِه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مولعاً بالوحي، يترقَّب نزوله بشوق، فما من آية تنزل إلا و يدعو ثلة من أصحابه، اختارهم لكتابة الوحي، فيأمرهم بكتابة ما نزل. وكان كلما نزلت آية حُفِظَت في الصدور ووعتها القلوب. وقد اتخذ النبي عليه الصلاة والسلام كتَّاباً للوحي منهم: الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي بن كعب و خالد بن الوليد وغيرهم رضي الله عنهم. وهكذا كان القرآن يُكتَب آية فآية ومَقْطَعَاً فمقطعاً. ولم يكن ترتيبه حسب ترتيب النزول بل كان سيدنا جبريل يقول للمصطفى عليه الصلاة والسلام إنَّ الله يأمرك أن تضع هذه الآية على رأس كذا آية من سورة كذا، فيأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كُتَّاب الوحي بوضع هذه الآية في ذلك المكان. وعندما نزلت آخر آية -على الرأي الذي رجَّحه كثير من علماء الحديث- وهي قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]، قال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ضع هذه الآية على رأس مئتين وواحد وثمانين آية من سورة البقرة بين آيتي الربا والدَّين. وهكذا تكامل نزول القرآن كله، وتوفي رسول الله صلى