الله عليه وسلم، وقد ذكر في آخر التوراة هذه الأماكن الثلاثة "جاء اللهُ من طور سيناء - الجبل الذي كلم الله عليه موسى - وأشرق من ساعير - يعني جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى - واستعلن من جبال فاران - يعني جبال مكة التي أرسل الله منها محمداً صلى الله عليه وسلم" فذكرهم بحسب ترتيبهم بالزمان، وأقسم بالأشرف ثم الأشرف منه، ثم جنس الإِنسان في أحسن شكل، متصفاً بأجمل وأكمل الصفات، من حسن الصورة، وانتصاب القامة، وتناسب الأعضاء، مزيناً بالعلم والفهم، والعقل والتمييز، والنطق والأدب، قال مجاهد: ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أحسن صورة، وأبدع خلق ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي ثم أنزلنا درجته إِلى أسفل سافلين، لعدم قيامه بموجب ما خلقناه عليه، حيث لم يشكر نعمة خلقنا له في أحسن صورة، ولم يستعمل ما خصصناه به من المزايا في طاعتنا، فلذلك سنرده إِلى أسفل سافلين وهي جهنم قال مجاهد والحسن: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أسفل دركات النار وقال الضحاك: أي رددناه إِلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القوة قال الألوسي: والمتبادرُ من السياقِ الإِشارة إلى حالة الكفار يوم القيامة، وأنه يكون على أقبح صورة وأبشعها، بعد أن كان على أحسن صورة وأبدعها ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي إِلا المؤمنين المتقين الذين جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي فلهم ثواب دائم غير مقطوع عنهم، وهو الجنة دار المتقين ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ الخطاب للإِنسان على طريقة الالتفات فما سبب تكذيبك أيها الإنسان، بعد هذا البيان وبعد وضوح الدلائل والبراهين؟ فإِن خلق الإِنسان من نطفة، وإِيجاده في أجمل شكل وأبدع صورة، من أوضح الدلائل على قدرة الله عز وجل على البعث والجزاء، فما الذي يدعوك إِلى التكذيب بيوم الدين بعد هذه البراهين؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ أي أليس الله الذي خلق وأبدع، بأعدل العادلين حكماً وقضاءً وفضلاً بين العباد؟ وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إِذا قرأها قال: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين.
=============
96 - سورة العلق
حث الإنسان على العلم، والتحذير من اتباع الهوى
فرعون هذه الأمة وتهديد الطغاة ووعيدهم
بَين يَدَيْ السُّورَة
* سورة العَلَق وتسمى ﴿سورة اقْرَأْ﴾ مكية وهي تعالج القضايا الآتية:
أولاً: موضوع بدء نزول الوحي على خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: موضوع طغيان الإِنسان بالمال وتمرده على أوامر الله.
ثالثاً: قصة الشقي "أبي جهل" ونهيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصلاة.
* ابتدأت السورة ببيان فضل الله على رسوله الكريم بإِنزاله هذا القرآن "المعجزة الخالدة" وتذكيره بأول النعماء وهو يتعبد ربه بغار حراء، حيث تنزَّل عليه الوحي بآيات الذكر الحكيم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ .. إلى .. عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
* ثم تحدثت عن طغيان الإِنسان في هذه الحياة بالقوة الثراء، وتمرده على أوامر الله بسبب نعمة الغنى، وكان الواجب عليه أن يشكر ربه على إِفضاله، لا أن يجحد