تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لأن أحقاب الآخرة لا نهاية لها، قال الربيع وقتادة: هذه الأحقاب لا انقضاء لها ولا انقطاع ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا﴾ أي لا يذوقون في جهنم برودةً تخفف عنهم حرَّ النار، ولا شراباً يسكِّنُ عطشهم فيها ﴿إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ أي إِلاّ ماءً حاراً بالغاً الغاية في الحرارة، وغساقاً أي صديداً يسيل من جلود أهل النار ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ أي عاقبهم الله بذلك جزاءً موافقاً لأعمالهم السيئة ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ أي لم يكونوا يتوقعون الحساب والجزاء، ولا يؤمنون بلقاء الله، فجازاهم الله بذلك الجزاء العادل ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ أي وكانوا يكذبون بآيات الله الدالة على البعث وبالآيات القرآنية تكذيباً شديداً ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ أي وكل ما فعلوه من جرائم وآثام ضبطناه في كتاب لنجازيهم عليه ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا﴾ أي فذوقوا يا معشر الكفار فلن نزيدكم على استغاثتكم إِلاَّ عذاباً فوق عذابكم، قال المفسرون: ليس في القرآن على أهل النار آية هي أشد من هذه الآية، كلما استغاثوا بنوعٍ من العذاب أغيثوا بأشد منه.

أحوال السعداء الأبرار

﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36)﴾

ولما ذكر تعالى أحوال الأشقياء أهل النار، ذكر بعدها أحوال السعداء الأبرار فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ أي إِن للمؤمنين الأبرار الذين أطاعوا ربهم في الدنيا، موضع ظفر وفوز بجنات النعيم، وخلاص من عذاب الجحيم، ثم فسَّر هذا الفوز فقال ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ أي بساتين ناضرة فيها من جميع الأشجار والأزهار، وفيها كروم الأعناب الطيبة المتنوعة من كل ما تشتهيه النفوس ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ أي ونساءً عذارى نواهد قد برزت أَثْداؤهنَّ، وهنَّ في سنٍ واحدة، قال ابن جزي: الكواعب جمع كاعب وهي الجارية التي خرج ثديها ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ أي وكأساً من الخمر ممتلئةً صافية، قال القرطبي: المرادُ بالكأس الخمرُ كأنه قال: وخمراً ذات دِهاقٍ أي مملوءة قد عُصرت وصُفّيت ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ أي لا يسمعون في الجنة كلاماً فارغاً لا فائدة فيه، ولا كذباً من القول لأن الجنة دار السلام، وكل ما فيها سالمٌ من الباطل والنقص ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ أي جازاهم الله بذلك الثواب العظيم، تفضلاً منه وإِحساناً كافياً على حسب أعمالهم.

معاودة تأكيد وقوع يوم القيامة

﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَانِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَابًا (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39) إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (40)﴾

﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَانِ﴾ أي هذا الجزاء صادرٌ من الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ أي لا يقدر أحدٌ أن يخاطبه في دفع بلاء، أو رفع عذاب في ذلك اليوم، هيبةً وجلالاً ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ أي في ذلك اليوم الرهيب يقف جبريل والملائكة مصطفين خاشعين ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي لا يتكلم أحد منهم إِلاّ من أذن الله له

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٣٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٣٢٧