* ثم ذكرت أوصاف هؤلاء السعداء بشيء من الإِسهاب، فوصفتهم بالوفاء بالنذر، وإِطعام الفقراء ابتغاء مرضاة الله، والخوف من عذاب الله، وذكر أنَّ الله تعالى قد آمنهم من ذلك اليوم العبوس الذي تكلح فيه الوجوه ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً * ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً * إِنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً﴾ الآيات.
* وأشادت - بعد ذكر أوصافهم - بما لهم عند الله من الأجر والكرامة في دار الإِقامة، وبما حباهم الله من الفضل والنعيم يوم الدين ﴿وجزاهم بما صبروا جنةً وحريراً * متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً * ودانيةً عليها ظلالها وذللت قطوفها تذليلاً﴾.
* وتتابعت السورة في سرد نعيم أهل الجنة في مأكلهم، ومشربهم، وملبسهم، وخدمهم الذين يطوفون عليهم صباح مساء ﴿ويطاف عليهم بآنيةٍ من فضة وأكواب كانت قواريرا * قوارير من فضة قدَّروها تقديراً * ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً * عيناً فيها تسمى سلسبيلاً * ويطوف عليهم ولدانٌ مخلدون إِذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً﴾.
* وختمت السورة الكريمة ببيان أن هذا القرآن تذكرة لمن كان له قلبٌ يعي، أو فكر ثاقب يستضيء بنوره ﴿إِن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إِلى ربه سبيلاً * وما تشاءون إِلا أن يشاء الله إِن الله كان عليماً حكيماً * يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً﴾.
خلق الإنسان وهدايته السبيل
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)﴾.
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ أي قد مضى على الإِنسان وقت طويل من الزمان ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ أي كان في العدم، لم يكن له ذكر ولا وجود، قال ابن كثير: يخبر تعالى عن الإِنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئاً يذكر لحقارته وضعفه، قال المفسرون: ﴿هَلْ أَتَى﴾ بمعنى قد أتى كما تقول: هل رأيت صنيع فلان، وقد علمت أنه قد رآه، وتقول: هل أكرمتك، هل وعظتك؟ ومقصودك أن تقرره بأنك قد أكرمته ووعظته، والمرادُ بالإِنسان الجنس، وبالحين مدة لبثه في بطن أمه، والغرض من الآية تذكير الإِنسان بأصل نشأته، فقد كان شيئاً منسياً لا يفطن له، وكان في العدم جرثومة في صلب أبيه، وماءً مهيناً لا يعلم به إِلا الذي يريد أن يخلقه، ومرَّ عليه حينٌ من الدهر كانت الكرة الأرضية خالية منه، ثم خلقه الله، وأبدع تكوينه وإنشاءه، بعد أن كان مغموراً ومنسياً لا يعلم به أحد .. وبعد أن قرر أن الإِنسان مرَّ عليه وقت لم يكن موجوداً، أخذ يشرح كيف أفاض عليه نعمة الوجود، واختبره بالتكاليف الشرعية بعد أن متَّعه بنعمة العقل والحواس فقال ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ أي نحن بقدرتنا خلقنا هذه الانسان من ماءٍ مهين - وهي المنيُّ - الذي ينطف من صلب الرجل، ويختلط بماء المرأة "البويضة الأنثوية" فيتكون منهما هذا المخلوق العجيب، قال ابن عباس: ﴿أَمْشَاجٍ﴾ يعني أخلاط، وهو ماء الرجل وماء المرأة اذا اجتمعا