أنواع الحيوان، ومن حسن صورته أنه خلق منتصباً غير منكب على وجهه ﴿وإِليه المصيرُ﴾ أي وإِليه تعالى وحده المرجع والمآب، فيجازي كلاً بعمله ﴿يعلم ما في السماوات والأرض﴾ أي يعلم ما في الكائنات من أجرامٍ ومخلوقات ﴿ويعلم ما تسرون وما تعلنون﴾ أي ويعلم ما تخفونه وما تظهرونه من نواياكم وأعمالكم ﴿واللهُ عليمٌ بذات الصدور﴾ أي عالم بما في الصدور من الأسرار والخفايا، فكيف تخفى عليه أعمالكم الظاهرة؟ قال أبو حيّان: نبَّه تعالى بعلمه بما في السماواتِ والأرض، ثم بعلمه بما يخفيه العباد وما يعلنونه، ثم بعلمه بما أكنَّته الصدور، على أنه تعالى لا يغيب عن علمه شيء، لا من الكليات ولا من الجزئيات، فابتدأ بالعلم الشامل، ثم بسرِّ العباد وعلانيتهم، ثم بما تنطوي عليه صدورهم، وهذا كله في معنى الوعيد، إِذ هو تعالى المجازي عليه بالثواب والعقاب ..
الإخبار عن البعث، وأحوال الأمم المكذبة
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7)﴾
ثم ذكَّرهم تعالى بما حلَّ بالكفار قبلهم فقال ﴿ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل﴾ أي ألم يأتكم يا معشر قريش خبر كفار الأمم الماضية كقوم عاد وثمود، ماذا حلَّ بهم من العذاب والنكال!! ﴿فذاقوا وبال أمرهم﴾ أي فذاقوا العقوبة الوخيمة على كفرهم في الدنيا ﴿ولهم عذابٌ أليم﴾ أي ولهم في الآخرة عذاب شديد موجع ﴿ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات﴾ أي ذلك العذاب الذي ذاقوه في الدنيا وما سيذوقونه في الآخرة، بسبب أنه جاءتهم رسلهم بالمعجزات الواضحات، والبراهين الساطعات، الدالة على صدقهم ﴿فقالوا أبشرٌ يهدوننا﴾؟ أي فقالوا على سبيل الاستغراب والتعجب: أرسلٌ من البشر يصيرون هداةً لنا، قال الرازي: أنكروا أن يكون الرسول بشراً، ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجراً، وذلك لقلة عقولهم وسخافة أحلامهم ﴿فكفروا وتولَّوا﴾ أي فكفروا بالرسول، وأعرضوا عن الإِيمان واتباع هدى الرحمن ﴿واستغنى اللهُ﴾ أي استغنى الله عن طاعتهم وعبادتهم، قال الطبري: أي استغنى اللهُ عنهم، وعن إِيمانهم به وبرسله ﴿واللهُ غنيٌ حميد﴾ أي غنيٌ عن خلقه، محمودٌ في ذاته وصفاته، لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، لأنه مستغنٍ عن العالمين .. ثم أخبر تعالى عن إِنكارهم للبعث بعد تكذيبهم للرسالة فقال ﴿زعم الذين كفروا أنْ لنْ يُبعثوا﴾ أي ادعى كفار مكة وظنوا أن الله لن يبعثهم من قبورهم بعد موتهم أبداً ﴿قل بلى وربي لتبعثُنَّ﴾ أي قل لهم يا محمد: ليس الأمر كما زعمتم، وأقسم بربي لتخرجن من قبوركم أحياء ولتبعثنَّ ﴿ثم لتنبؤُنَّ بما عملتم﴾ أي ثم لتخبرنَّ بجميع أعمالكم، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها، وتُجزون بها ﴿وذلك على اللهِ يسيرٌ﴾ أي وذلك البعث والجزاء، سهلٌ هينٌ على الله، لأن الإِعادة أسهل من الابتداء، قال الرازي: أنكروا البعث بعد أن صاروا تراباً، فأخبر تعالى أن إِعادتهم أهونُ في العقول من إنشائهم ..
الأمر بالاعتصام بالإيمان والتمسك بالقرآن