تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الدار التي هي مقرُّ الأكدار، قال تعالى فاضحاً لهم، ومبيناً كذبهم ﴿ولا يتمنونه أبداً بما قدَّمت أيديهم﴾ أي ولا يتمنون الموت بحالٍ من الأحوال، بسبب ما أسلفوه من الكفر والمعاصي وتكذيب محمد عليه السلام وفي الحديث "والذين نفسي بيده، لو تمنوا الموتَ ما بقي على ظهرها يهودي إِلا مات" قال الألوسي: لم يتمنَّ أحدٌ الموت منهم، لأنهم كانوا موقنين بصدقه عليه السلام، فعلموا أنهم لو تمنوه لماتوا من ساعتهم، وهذه إِحدى المعجزات، وجاء في سورة البقرة نفيُ هذا التمني بلفظ ﴿ولن﴾ وهو من باب التفنن على القول المشهور ﴿واللهُ عليمٌ بالظالمين﴾ أي عالمٌ بهم وما صدر عنهم من فنون الظلم والمعاصي، وإِنما وضع الظاهر موضع الضمير "عليمٌ بهم" ذماً لهم، وتسجيلاً عليهم بأنهم ظالمون ﴿قل إِن الموت التي تفرون منه﴾ أي قل لهم يا محمد: إن هذا الموت الذي تهربون منه، وتخافون أن تتمنوه حتى بلسانكم ﴿فإِنه ملاقيكم﴾ أي فإِنه آتيكم لا محالة، لا ينفعكم الفرار منه كقوله تعالى ﴿أينما تكونوا يدرككم الموتُ ولو كنتم في بروجٍ مشيدَّة﴾ لأنه قدرٌ محتوم، ولا يغني حذرٌ عن قدر ﴿ثم تردون إِلى عالم الغيب والشهادة﴾ أي ثم ترجعون إِلى الله الذي لا تخفى عليه خافية ﴿فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ أي فيجازيكم على أعمالكم، وفيه وعيدٌ وتهديد ..

فريضة صلاة الجمعة

﴿يا أيُّها الذين آمنوا إِذا نودي للصَّلاة من يوم الجمعة فاسْعوا إِلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خيرٌ لَّكم إن كنتم تعلمون (9) فإِذا قُضيت الصَّلاةُ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضلِ الله واذكروا اللهَ كثيراً لَّعَّلكم تفلحون (10) وإِذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إِليها انفضُّوا إِليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خيرٌ من اللَّهو ومن التِّجارة واللهُ خيرُ الرَّازقين (11)﴾.

سبب النزول:

نزول الآية (11):

﴿وإذارأوا تجارة .. ﴾: أخرج أحمد والشيخان (البخاري ومسلم) والترمذي عن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ أقبلت عِير قد قدمت، فخرجوا إليها حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً، فأنزل الله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائماً﴾.

ثم شرع تعالى في بيان أحكام الجمعة فقال ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ أي يا معشر المؤمنين المصدّقين بالله ورسوله، إِذا سمعتم المؤذن ينادي لصلاة الجمعة ويؤذن لها ﴿فاسْعوا إِلى ذكر الله وذروا البيع﴾ أي فامضوا إِلى سماع خطبة الجمعة وأداء الصلاة، واتركوا البيع والشراء، اتركوا التجارة الخاسرة واسعوا إِلى التجارة الرابحة قال ابن جزي: والسعيُ في الآية بمعنى المشي لا بمعنى الجري لحديث "إِذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة" .. وقال الحسن: واللهِ ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نُهوا أن يأتوا الصلاة إِلا وعليهم السكينة والوقار، ولكنه سعيٌ بالقلوب، والنية، والخشوع ﴿ذلكم خيرٌ لكم﴾ أي ذلك السعي إِلى مرضاة الله، وتركُ البيع والشراء، خيرٌ لكم وأنفع من تجارة الدنيا، فإِن نفع الآخرة أجلٌّ وأبقى ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي إن كنتم من أهل العلم القويم،

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٢٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٢٢٩