ربه لكونه بعث رحمةً للعالمين .. ثم نهى تعالى المؤمنين عن التناجي بما هو إِثم ومعصية فقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ أي إذا تحدثتم فيما بينكم سراً فلا تتحدثوا بما فيه إثم كالقبيح من القول، أو بما هو عدوان على الغير أو مخالفة ومعصية لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ أي وتحدثوا بما فيه خيرٌ وطاعة وإِحسان، قال القرطبي: نهى تعالى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود، وأمرهم أن يتناجوا بالطاعة والتقوى والعفاف عما نهى الله عنه ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي وخافوا الله بامتثالكم أوامره واجتنابكم نواهيه، الذي سيجمعكم للحساب، ويجازي كلاً بعمله ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي ليست النجوى بالإِثم والعدوان إِلا من تزيين الشيطان، ليُدخل بها الحزن على المؤمنين، قال ابن كثير: أي إنما يصدر هذا من المتناجين عن تزيين الشيطان وتسويله ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي وليس هذا التناجي بضارٍ للمؤمنين شيئاً إِلا بمشيئة الله وإِرادته ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي وعلى الله وحده فليعتمد ولْيثق المؤمنون، ولا يبالوا بنجوى المنافقين فإِن الله يعصمهم من شرهم وكيدهم، وفي الحديث (إِذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإِن ذلك يحزنه).
أدب المجالس في الإسلام
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نداءٌ من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصفٍ وألطف عبارة أي يا من صدَّقتم الله ورسوله وتحليتم بالإِيمان الذي هو زينة الإِنسان ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ أي إِذا قال لكم أحد توسعوا في المجالس - سواءً كان مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره من المجالس - فتوسعوا وافسحوا له ﴿يفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي يوسِّع لكم ربكم في رحمته وجنته، قال مجاهد: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فأُمروا أن يفسح بعضهم لبعض، قال الخازن: أمر الله المؤمنين بالتواضع وأن يفسحوا في المجلس لمن أراد الجلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم ليتساوى الناس في الأخذ من حظهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث (لا يقيمنَّ أحدكم رجلاً من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكنْ توسَّعوا وتفسَّحوا يفسح اللهُ لكم) قال الإِمام الفخر الرازي: وقوله ﴿يفسِح الله لكم﴾ مطلقٌ في كل ما يطلب الناس الفسحة فيه في المكان، والرزق، والصدر، والقبر، والجنة، واعلم أن الآية دلت على أن كل من وسَّع على عباد الله أبواب الخير والراحة وسَّع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة وفي الحديث (لا يزال الله في عون العبد ما زال العبد في عون أخيه) ﴿وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا﴾ أي وإِذا قيل لكم أيها المؤمنون انهضوا من المجلس وقوموا لتوسّعوا لغيركم فارتفعوا منه وقوموا، قال ابن عباس: معناه إِذا قيل لكم ارتفعوا فارتفعوا، قال أبو حيّان: أُمروا أولاً بالتفسح في المجلس، ثم ثانياً بامتثال الأمر فيه إِذا أُمروا، وألا يجدوا في ذلك غضاضة ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ أي يرفع الله المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله، والعالمين