عن عائشة قالت: جاء ناس من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقلت: السام عليكم وفعل الله بكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَهْ، يا عائشة، فإن الله تعالى لا يحبّ الفحش ولا التفحش، فقلت: يا رسول الله، ألستُ أدري ما يقولون؟ قال: ألستِ ترين أردّ عليهم ما يقولون؟ أقول: وعليكم، ونزلت هذه الآية في ذلك: ﴿وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيِّك به الله﴾.
نزول الآية (10):
﴿إنما النجوى من الشيطان﴾: أخرج ابن جرير عن قتادة قال: كان المنافقون يتناجون بينهم، وكان ذلك يغيظ المؤمنين، ويكبر عليهم، فأنزل الله: ﴿إنما النجوى من الشيطان﴾ الآية.
ثم أخبر تعالى عن أحوال اليهود والمنافقين فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ قال القرطبي: نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم، وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فشكوا ذلك إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ أي ثم يرجعون إِلى المناجاة التي نهُوا عنها قال أبو السعود: والهمزة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ للتعجيب من حالهم، وصيغة المضارع ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ للدلالة على تكرر عودهم وتجدده واستحضار صورته العجيبة ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ أي ويتحدثون فيما بينهم بما هو إِثم وعدوان ومخالفة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لأن حديثهم يدور حول المكر والكيد بالمسلمين، قال أبو حيان: بدأ بالإِثم لعمومه، ثم بالعُدوان لعظمته في النفوس إِذ هي ظُلامات العباد، ثم ترقَّى إِلى ما هو أعظم وهو معصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي هذا طعنٌ على المنافقين إِذ كان تناجيهم في ذلك ﴿وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ أي وإِذا حضروا عندك يا محمد حيَّوك بتحيةٍ ظالمةٍ لم يشرعها الله ولم يأذن فيها، وهي قولهم "السامُ عليكم" أي الموت عليكم قال المفسرون: كان اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: السامُ عليكم بدلاً من السلام عليكم، والسامُ الموتُ وهو ما أرادوه بقولهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم: وعليكم لا يزيد عليها، فسمعتهم عائشة يوماً فقالت: بل عليكم السامُ واللعنة، فلما انصرفوا قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلاً يا عائشة، إِن الله يكره الفُحش والتفحش فقالت يا رسول الله: أما سمعتَ ما قالوا؟ فقال لها إني قلت لهم: أما سمعتِ ما قلت لهم: وعليكم، فيستجيب الله لي فيهم، ولا يتسجيب لهم فيَّ ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ أي ويقولون فيما بينهم: هلاَّ يعذبنا الله بهذا القول لو كان محمد نبياً؟ فلو كان نبياً حقاً لعذبنا الله على هذا الكلام قال تعالى رداً عليهم ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾ أي يكفيهم عذاباً أن يدخلوا نار جهنم ويصلوا حرها ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي بئست جهنم مرجعاً ومستقراً لهم، قال ابن العربي: كانوا يقولون: لو كان محمد نبياً لما أمهلنا الله بسبّه والاستخفاف به، وجهلوا أن الباري تعالى حليمٌ لا يعاجل العقوبة لمن سبَّه فكيف بمن سبَّ نبيه!! وقد ثبت في الصحيح: "لا أحد أصبر على الأذى من الله، يدعون له الصاحبة والولد وهو يعافيهم ويرزقهم" فأنزل الله تعالى هذا كشفاً لسرائرهم، وفضحاً لبواطنهم، وتكريماً لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأما إمهالهم في الدنيا فمن كراماته صلى الله عليه وسلم على