تَحْرُثُونَ (63) ءأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) ءأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) ءأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)}
﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أي نحن خلقناكم أيها الناسُ من العدم، فهلاَّ تصدقون بالبعث؟ فإِن من قدر على البدء قادرٌ على الإِعادة ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ أي أخبروني عمَّا تصبُّونه من المنيّ في أرحام النساء ﴿ءأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾؟ أي هل أنتم تخلقون هذا المنيَّ بشراً سوياً، أم نحن بقدرتنا خلقناه وصوَّرناه؟! قال القرطبي: وهذا احتجاج على المشركين وبيانٌ للآية الأولى والمعنى إِذا أقررتم بأنا خالقوه لا غيرنا فاعترفوا بالبعث ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أي نحن قضينا وحكمنا عليكم بالموت وساوينا بينكم فيه، قال الضحاك: ساوى فيه بين أهل السماء والأرض، سواء في الشريف والوضيع، والأمير والصعلوك ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي وما نحن بعاجزين ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ أي على أن نهلككم ونستبدل قوماً غيركم يكونون أطوع لله منكم كقوله تعالى ﴿إن يشأ يُذهبكم ويأتِ بخلقٍ جديد﴾ ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أي ولسنا بعاجزين أيضاً أن نعيدكم يوم القيامة في خلقةٍ لا تعلمونها ولا تصل إِليها عقولكم، والغرضُ أن الله قادر على أن يهلكهم وأن يعيدهم وأن يبعثهم يوم القيامة، ففي الآية تهديد واحتجاج على البعث ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى﴾ أي ولقد عرفتم أن الله أنشأكم من العدم بعد أن لم تكونوا شيئاً مذكوراً، فخلقكم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ﴿فَلَوْلا تَذكَّرُونَ﴾ أي فهلا تتذكرون بأن الله قادر على إِعادتكم كما قدر على خلقكم أول مرة؟ ﴿أولاَ يذكُر الإِنسان أنَّا خلقناه من قبل ولم يكُ شيئاً﴾؟! ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ هذه حجة أخرى على وحدانية الله وقدرته أي أخبرووني عن البذر الذي تلقونه في الطين ﴿ءأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾؟ أي أأنتم تنبتونه وتنشئونه حتى يكون فيه السنبل والحبُّ أم نحن الفاعلون لذلك؟ فإِذا أقررتم أن الله هو الذي يخرج الحبَّ وينبت الزرع، فكيف تنكرون إِخراجه الأموات من الأرض؟ ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أي لو أردنا لجعلنا هذا الزرع هشيماً متكسراً لا ينتفع به في طعام ولا غيره، قال القرطبي: والحُطام الهشيم الهالك الذي لا يُنتفع به في مطعم ولا غذاء، فنبههم بذلك على أمرين: أحدهما: ما أولاهم به من النعم في زرعهم ليشكروه الثاني: ليعتبروا في أنفسهم فكما أنه تعالى يجعل الزرع حُطاماً إِذا شاء، كذلك يهلكهم إِذا شاء ليتعظوا فينزجروا ﴿فَظلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي فظللتم وبقيتم تتفجعون وتحزنون على الزرع مما حلَّ به وتقولون ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي إنا لمحمَّلون الغرم في إِنفاقنا حيث ذهب زرعنا وغرمنا الحبَّ الذي بذرناه ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي بل نحن محرومون الرزق، غرمنا قيمة البذر، وحُرمنا خروج الزرع ﴿أفرأيتمُ الماءَ الذي تشربون﴾ أي أخبروني عن الماء الذي تشربونه عذباً فراتاً لتدفعوا عنكم شدة العطش ﴿ءأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ أي هل أنتم الذين أنزلتموه من السحاب أم نحن المنزلون له