ثم شرع تعالى في بيان الصنف الثالث وهم أهل النار فقال ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ استفهام بمعنى التهويل والتفظيع والتعجيب من حالهم أي وأصحابُ الشمال - وهم الذين يعطون كتبهم بشمائلهم - ما أصحاب الشمال؟ أي ما حالهم وكيف مآلهم؟ ثم فصَّل تعالى حالهم فقال ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي في ريح حارة من النار تنفذ في المسام، وماءٍ شديد الحرارة ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ أي وفي ظلٍ من دخان أسود شديد السواد ﴿لا بَارِدٍ﴾ أي ليس هذا الظل بارداً يستروح به الإِنسان من شدة الحر ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ أي وليس حسن المنظر يُسرُّ به من يستفيء بظله، قال الخازن: إِن فائدة الظل ترجع إِلى أمرين: أحدهما: دفع الحر، والثاني: حسن المنظر وكون الإِنسان فيه مكرماً، وظلُّ أهل النار بخلاف هذا لأنهم في ظل من دخان أسود حار .. ثم بيَّن تعالى سبب استحقاقهم ذلك فقال ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أي لأنهم كانوا في الدنيا منعَّمين، مقبلين على الشهوات والملذات ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ أي وكانوا يداومون على الذنب العظيم وهو الشرك بالله، قال المفسرون: لفظ الإِصرار يدل على المداومة على المعصية، والحنثُ هو الذنب الكبير والمراد به هنا الكفر بالله كما قال ابن عباس ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أي هل سنبعث بعد أن تصبح أجسادنا تراباً وعظاماً نخرة؟ وهذا استبعادٌ منهم لأمر البعث وتكذيب له ﴿أَوْ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾؟ تأكيدٌ للإِنكار ومبالغة فيه أي وهل سيبعث آباؤنا الأوائل بعد أن بليت أجسامهم وتفتَّتت عظامهم؟ ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أي قل لهم يا محمد: إِن الخلائق جميعاً السابقين منهم واللاحقين، سيجمعون ويحشرون ليوم الحساب الذي حدَّده الله بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر ﴿ذلك يومٌ مجموعٌ له الناس وذلك يومٌ مشهود * وما نؤخره إِلا لأجلٍ معدود﴾ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لأكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ أي ثم إنكم يا معشر كفار مكة، الضالون عن الهدى، المكذبون بالبعث والنشور، لآكلون من شجر الزقوم الذي ينبت في أصل الجحيم ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ أي فمالئون بطونكم من تلك الشجرة الخبيثة لغلبة الجوع عليكم ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ أي فشاربون عليه الماء الحار الذي اشتد غليانه ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ أي فشاربون شرب الإِبل العطاش، قال ابن عباس: الهيمُ الإِبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها، وقال أبو السعود: إنه يسلط على أهل النار من الجوع ما يضطرهم إِلى أكل الزقوم الذي هو كالمُهل، فإِذا ملأوا منه بطونهم - وهو في غاية الحرارة والمرارة - سُلِّط عليهم العطش ما يضطرهم إِلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم وهي الإِبل التي بها الهيام وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي هذه ضيافتهم وكرامتهم يوم القيامة، وفيه تهكم بهم، قال الصاوي: والنُزُل في الأصل ما يهيأ للضيف أول قدومه من التحف والكرامة، فتسمية الزقوم نُزلاً تهكم بهم.
أدلة الألوهية وإثبات القدرة على البعث والجزاء
{نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) ءأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا