يطرق آذانهم فاحشُ الكلام، ولا يلحقهم إِثمٌ مما يسمعون، قال ابن عباس: لا يسمعون باطلاً ولا كذباً ﴿إِلا قِيلاً سَلامًا سَلامًا﴾ أي إلا قول بعضهم لبعضٍ سلاماً سلاماً، يُحيي به بعضهم بعضاً ويفشون السلام فيما بينهم، قال أبو حيّان: والظاهر أنه استثناء منقطع لأنه لم يندرج في اللغو ولا في التأثيم، وقال أبو السعود: والمعنى أنهم يفشون السلام فيسلّمون سلاماً بعد سلام، أو لا يسمع كلٌ منهم إِلا سلام الآخر بدءاً أو ردّاً.
أحوال أصحاب اليمين في الجنة
﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ (40)﴾
سبب النزول:
نزول الآية (27):
﴿وأصحاب اليمين .. ﴾: أخرج سعيد بن منصور في سننه والبيهقي في البعث عن عطاء ومجاهد قالا: لما سأل أهل الطائف الوادي يُحمى لهم، وفيه عسل، ففعل، وهو واد معجب، فسمعوا الناس يقولون: في الجنة كذا وكذا، قالوا: يا ليت لنا في الجنة مثل هذا الوادي، فأنزل الله: ﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين، في سدر مخضود﴾ الآيات.
نزول الآية (29):
﴿وطلح منضود﴾: أخرج البيهقي من وجه آخر عن مجاهد قال: كانوا يعجبون بوَجّ - واد مخصب في الطائف - وظلاله وطلحِه وسِدْرِه، فأنزل الله: ﴿وأصحاب اليمين، ما أصحاب اليمين، في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود﴾.
ثم شرع في تفصيل أحوال الصنف الثاني وهم أصحاب اليمين فقال ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِين﴾؟ استفهام للتعظيم والتعجيب من حالهم أي ما أدراك من هم، وما هي حالهم؟ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ أي هم تحت أشجار النبق الذي قطع شوكه، قال المفسرون: والسِّدرُ: شجر النبق، والمخضود الذي خُضد أي قُطع شوكه، وفي الحديث: (أن أعرابياً جاء إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إن الله تعالى ذكر في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال: وما هي؟ قال: السدر فإِن له شوكاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس اللهُ يقول ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾؟ خضَدَ اللهُ شوكه فجعل مكان كل شوكةٍ ثمرة، وإِن الثمرة من ثمره تفتَّق عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيها لونٌ يشبه الآخر) ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ هو شجر المود ومعنى ﴿مَنْضُودٍ﴾ أي متراكم قد نُضد بالحمل من أسفله إِلى أعلاه ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أي وظل دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، لأن الجنة ظل كلها لا شمس فيها ﴿لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً﴾ وفي الحديث (إن في الجنة شجرةً يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرءوا إن شئتم) ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ وقال الرازي: ومعنى ﴿مَمْدُودٍ﴾ أي لا زوال له فهو دائم ﴿أُكلُها دائم وظلُّها﴾ أي دائم، والظلُّ ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ أي وماءٍ جارٍ دائماً لا ينقطع، يجري في غير أخدود، قال القرطبي: كانت العرب أصحاب بادية، والأنهار في