مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا (25) إِلا قِيلاً سَلامًا سَلامًا (26)}
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ أي السابقون المقربون جماعة كثيرة من الأمم السالفة ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أي وهم قليلٌ من هذه الأمة، قال القرطبي: وسمُّوا قليلاً بالإِضافة إِلى من كان قبلهم، لأن الأنبياء المتقدمين كانوا كثرة، فكثر السابقون إِلى الإِيمان منهم، فزادوا على عدد من سبق إِلى التصديق من أمتنا، قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا ثم تلا الآية وقيل: إِن المراد بقوله ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أول هذه الأمة، والآخرون المتأخرون من هذه الأمة، فيكون كلا الفريقين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أي جالسين على أسَّرة منسوجة بقضبان الذهب، مرصَّعة بالدر والياقوت، قال ابن عباس: ﴿مَوْضُونَةٍ﴾ أي مرمولة بالذهب يعني منسوجة به ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا﴾ أي حال كونهم مضطجعين على تلك الأسرَّة شأن المنعَّمين المترفين ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ أي وجوه بعضهم إلى بعض، ليس أحد وراء أحد، وهذا أدخل في السرور، وأكمل في أدب الجلوس ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أي يدور عليهم للخدمة أطفال في نضارة الصبا، لا يموتون ولا يهرمون، قال أبو حيان: وُصفوا بالخلد - وإِن كان كل من في الجنة مخلداً - ليدل على أنهم يبقون دائماً في سنِّ الولدان، لا يتحولون ولا يكبرون كما وصفهم جل وعلا ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي بأقداح كبيرة مستديرة لا عُرى لها ﴿وَأَبَارِيقَ﴾ جمع إِبريق أي وبأباريق لها عُرى تبرق من صفاء لونها ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي وكأسٍ من خمرٍ لذة جارية من العيون، قال ابن عباس: لم تعصر كخمر الدنيا بل هي من عيون سارحة، قال القرطبي: والمعين الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد في هذا الموضع الخمر الجارية من العيون، ليست كخمر الدنيا التي تستخرج بعصرٍ وتكلف معالجة ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي لا تتصدع رؤوسهم من شربها ﴿وَلا يُنزِفُونَ﴾ أي ولا يسكرون فتذهب بعقولهم كخمر الدنيا، قال ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السُّكرُ، والصُّداع، والقيءُ، والبول، وقد ذكر تعالى خمر الجنة ونزَّهها عن هذه الخصال الذميمة ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي ولهم فيها فاكهة كثيرة يختارون ما تشتهيه نفوسهم لكثرتها وتنوعها ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي ولحم طيرٍ مما يحبون ويشتهون، قال ابن عباس: يخطر على قلب أحدهم لحم الطير فيطير حتى يقع بين يديه على ما اشتهى مقلياً أو مشوياً وفي الحديث (إنك لتنظر إِلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشوياً) قال الرازي: وقدَّم الفاكهة على اللحم لأن أهل الجنة يأكلون لا عن جوع بل للتفكه، فميلهم إِلى الفاكهة أكثر كحال الشبعان في الدنيا فلذلك قدمها ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أي ولهم مع ذلك النعيم نساء من الحور العين، الواسعات العيون، في غاية الجمال والبهاء، كأنهن اللؤلؤ في الصفاء والنقاء، الذي لم تمسه الأيدي، قال ابن جزي: شبههن باللؤلؤ في البياض، ووصفه بالمكنون لأنه أبعد عن تغيير حسنه، وحين سألت "أم سلمة" رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا التشبيه قال "صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي" ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي جعلنا لهم ذلك كله جزاءً لعملهم الصالح في الدنيا .. ثم أخبر تعالى عن كمال نعيمهم في الجنة فقال ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا﴾ أي لا