والحميم الشراب الذي انتهى حره ﴿فَبِأَيِّ ءالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم الله تكذبان يا معشر الإِنس والجان؟
وصف الجنتين
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ ءالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ ءالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ ءالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ ءالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ ءالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ ءالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ ءالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ ءالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61)﴾.
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ أي وللعبد الذي يخاف قيامه بين يدي ربه للحساب جنتان: جنةٌ لسكنه، وجنةٌ لأزواجه وخدمه، كما هي حال ملوك الدنيا حيث يكون له قصرٌ ولأزواجه قصر، قال القرطبي: وإِنما كانتا اثنتين ليضاعف له السرور بالتنقل من جهة إِلى جهة، وقال الزمخشري: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي وفي الحديث (جنتان من فضة آنيتُهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إِلى ربهم عز وجل إِلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) ﴿فَبِأَيِّ ءالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ثم وصف تعالى الجنتين فقال ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ أي ذواتا أغصان متفرعة وثمار متنوعة، قال أبو حيّان: وخصَّ الأفنان - وهي الغصون - بالذكر لأنها التي تورق وتثمر، ومنها تمتد الظلال وتُجنى الثمار ﴿فَبِأَيِّ ءالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإِنس والجن ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أي في كل واحدة من الجنتين عين جارية، تجري بالماء الزلال كقوله تعالى ﴿فيها عينٌ جارية﴾ قال ابن كثير: أي تسرحان لسقي تلك الأشجار والأغصان، فتثمر من جميع الألوان، قال الحسن: تجريان بالماء الزلال إِحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل ﴿فَبِأَيِّ ءالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أي فيهما من جميع أنواع الفواكه والثمار صنفان: معروفٌ، وغريب لم يعرفوه في الدنيا، قال ابن عباس: ما في الدنيا ثمرةٌ حلوة ومرة إِلا وهي في الجنة حتى الحنظل، إِلا أنه حلو، وليس في الدنيا مما في الآخرة إِلاَّ الأسماء ﴿فَبِأَيِّ ءالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره قال الفخر الرازي: إِن قوله تعالى ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ و ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ و ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ كلها أوصافٌ للجنتين المذكورتين، وإِنما فصل بين الأغصان والفواكه بذكر العينين الجاريتين على عادة المتنعمين، فإِنهم إِذا دخلوا البستان لا يبادرون إِلى أكل الثمار، بل يقدمون التفرج على الأكل، مع أن الإِنسان في بستان الدنيا لا يأكل حتى يجوع ويشتهي شهوة شديدة فكيف في الجنة!! فذكر تعالى ما يتم به النزهة وهو خضرة الأشجار، وجريان الأنهار، ثم ذكر ما يكون بعد النزهة وهو أكل الثمار، فسبحان من يأتي بالآيات بأحسن المعاني في أبين المباني ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ أي مضطجعين في جنان الخلد على فرشٍ وثيرة بطائنها من ديباج - وهو الحرير السميك - المزين بالذهب، وهذا يدل على نهاية شرفها لأن البطانة إِذا كانت بهذا الوصف فما بالك بالظهارة؟ قال ابن مسعود: هذه البطائن فيكف