* ثم انتقلت للحديث عن أهوال القيامة وشدائدها، بأسلوب مخيف يهز المشاعر هزاً، ويحرك في النفس الرعب والفزع من هول ذلك اليوم العصيب ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ* خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ* مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾.
* وبعد الحديث عن كفار مكة، يأتي الحديث عن مصارع المكذبين، وما نالهم في الدنيا من ضروب العذاب والدمار بدءاً بقوم نوح ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ .. ﴾.
* ثم تلاه الحديث عن الطغاة المتجبرين من الأمم السالفة، الذين كذبوا الرسل فأهلكهم الله إِهلاكاً فظيعاً، ودمَّرهم عن بكرة أبيهم، وقد تحدثت الآيات عن قوم "عاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم فرعون" وغيرهم من الطغاة المتجبرين بشيءٍ من الإِسهاب، مع تصوير أنواع العذاب.
* وبعد عرض هذه المشاهد الأليمة - مشاهد العذاب والنكال - الذي حلَّ بالمكذبين لرسل الله صلى الله عليه وسلم توجهت السورة إِلى مخاطبة قريش، وحذرتهم مصرعاً كهذه المصارع بل ما هو أشد وأنكى ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ* بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ... ﴾ الآيات.
* وختمت السورة ببيان مآل السعداء المتقين، بعد ذكر مآل الأشقياء المجرمين، على طريقة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب، بأسلوبه العجيب ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾.
معجزة انشقاق القمر
﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)﴾
سبب النزول:
نزول الآية (1 - 2):
﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ ... ﴾: أخرج الشيخان والحاكم - واللفظ له - عن ابن مسعود قال: رأيت القمر منشقاً شقين بمكة، قبل مخرج النّبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سُحِرَ القمر، فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ... ﴾.
وأخرج محمد بن جرير وأبو داود الطيالسي والبيهقي عن عبد الله بن مسعود قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كَبْشة، سحركم، فاسألوا السُّفَّار، فسألوهم، فقالوا: نعم قد رأينا، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾.
﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ أي دنت القيامة وقد انشقِ القمر ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ أي وإِن ير كفار قريش علامة، واضحة ومعجزة ساطعة، تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم يعرضوا عن الإِيمان ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أي ويقولوا هذا سحرٌ دائم، سحر به محمدٌ أعيننا، قال المفسرون: إِن كفار مكة قالوا للرسول