تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيزداد غماً ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ أي ثم يُجزى بعمله الجزاء الأتم الأكمل، وهو وعيدٌ للكافر ووعدُ للمؤمن ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ أي إِليه جل وعلا المرجع والمآب والمصير فيعاقب ويثيب .. ثم شرع تعالى في بيان آثار قدرته فقال ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ أي هو الذي خلق الفرح والحزن، والسرور والغم، فأضحك في الدنيا من أضحك، وأبكى من أبكى قال مجاهد: أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ أي خلق الموت والحياة فهو جل وعلا القادر على الإِماتة والإِحياء لا غيره، ولهذا كرر الإِسناد "هو" لبيان أن هذا من خصائص فعل الله ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ أي أوجد الصنفين الذكر والأنثى من أولاد آدم ومن كل حيوان قال الخازن: والغرض أنه تعالى هو القادر على إِيجاد الضدين في محل واحد: الضحك والبكاء، والإِحياء والإِماتة، والذكر والأنثى، وهذا شيء لا يصل إِليه فهم العقلاء ولا يعلمونه، وإِنما هو بقدرة الله تعالى وخلقه لا بفعل الطبيعة، وفيه تنبيه على كمال قدرته، لأن النطفة شيء واحد خلق الله منها أعضاء مختلفة، وطباعاً متباينة، وخلق منها الذكر والأنثى، وهذا من عجيب صنعته وكمال قدرته، ولهذا قال ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ أي خلق الذكر والأنثى من نطفةٍ إِذا تدفقت من صلب الرجل، وصُبّت في رحم المرأة ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى﴾ أي وأن عليه جل وعلا إِعادة خلق النَّاس للحساب والجزاء، وإِحياؤهم بعد موتهم قال أبو حيّان: لما كانت0 هذه النشأة ينكرها الكفار بولغ فيها بقوله تعالى ﴿عليه﴾ كأنه تعالى أوجب ذلك على نفسه ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أي أغنى من شاء، وأفقر من شاء وقال ابن عباس: أعطى فأرضى، أغنى الإِنسان ثم رضاه بما أعطاه ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ أي هو ربُّ الكوكب المضيء المسمَّى بالشعرى الذي كانوا يعبدونه قال أبو السعود: أي هو رب معبودهم وكانت خزاعة تعبدها، سنَّ لهم ذلك رجلٌ من أشرافهم هو "أبو كبشة" ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ أي أهلك قوم عاد القدماء الذين بُعث لهم نبيُّ الله "هود" عليه السلام، وكانوا من أشد الناس وأقواهم، وأعتاهم على الله وأطغاهم، فأهلكهم الله بالريح الصرصر العاتية قال البيضاوي: سميت عاداً الأولى أي القدماء لأنهم أُولى الأمم هلاكاً بعد قوم نوح عليه السلام ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ أي وثمود دمَّرهم فلم يُبق منهم أحداً ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ أي وقوم نوح قبل عادٍ وثمود أهلكناهم ﴿إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ أي كانوا أظلم من الفريقين، وأشد تمرداً وطغياناً ممن سبقهم، قال أبو حيّان: كانوا في غاية العتو والإِيذاء لنوح عليه السلام، يضربونه حتى لا يكاد يتحرك، ولا يتأثرون بشيء مما يدعوهم إِليه قال قتادة:

دعاهم ألف سنة إِلا خمسين عاماً، كلما هلك قرن نشأ قرن، حتى كان الرجل يأخذ بيد ابنه يتمشى به إِلى نوح ليحذره منه ويقول له: يا بني إِن أبي مشى بي إِلى هذا وأنا مثلك يومئذٍ فإِياك أن تصدقه، فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على بغض نوح ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ أي وقرى قوم لوط أهواها فأسقطها على الأرض بعد أن انقلبت بهم فصار عاليها سافلها، وذلك أن جبريل رفعها إلى السماء ثم أهوى بها ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ أي فغطَّاها من فنون العذاب ما غطَّى، وفيه تهويل للعذاب وتعميمٌ لما أصابهم منه قال أبو حيّان: والمؤتفكة هي مدائن قوم لوط، سميت بذلك لأنها

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦١٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦١٥٣