لم يتركوا عبادتها بعد وضوح البيان ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ أي ليس للإِنسان كل ما يشتهي حتى يطمع في شفاعة الأصنام قال الصاوي: والمراد بالإِنسان الكافر، وهذه الآية تجر بذيلها على من يلتجئ لغير الله طلباً للفاني، ويتبع هوى نفسه فيما تطلبه فليس له ما يشتهي، واتباعُ الهوى هوان ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى﴾ أي فالملك كله لله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، لأنه مالك الدنيا والآخرة، وليس الأمر كما يشتهي الإِنسان، بل هو تعالى يعطي من اتبع هداه وترك هواه .. ثم أكَّد هذا المعنى بقوله ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي وكثير من الملائكة الأبرار الأطهار المنبثين في السماوات ﴿لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ أي أن الملائكة مع علو منزلتهم ورفعة شأنهم لا تنفع شفاعتهم أحداً إِلا بإِذن الله، فكيف تشفع الأصنام مع حقارتها؟! ﴿إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ أي إِلا من بعد أن يأذن تعالى في الشفاعة لمن يشاء من أهل التوحيد والإِيمان ويرضى عنه كقوله تعالى ﴿ولا يشفعون إِلا لمن ارتضى﴾ قال ابن كثير: فإِذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة الأصنام والأنداد عند الله تعالى؟.
من ضلالات المشركين، تسميتهم الملائكة بنات الله
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى (27) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اهْتَدَى (30)﴾
ثم أخبر تعالى عن ضلالات المشركين فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أي لا يصدقون بالبعث والحساب ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ أي ليزعمون أنهم إناثٌ وأنهم بناتُ الله ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي لا علم لهم بما يقولون أصلاً، لأنهم لم يشاهدوا خلق الملائكة، ولا جاءهم عن الله حجة أو برهان ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ أي ما يتبعون في هذه الأقوال الباطلة إِلا الظنون والأوهام ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ أي وإِن الظنَّ لا يجدي شيئاً، ولا يقوم أبداً مقام الحق ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين الذين استنكفوا عن الإِيمان والقرآن ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي وليس له همٌ إِلا الدنيا وما فيها من النعيم الزائل، والمتعة الفانية قال أبو السعود: والمراد النهيُ عن دعوة المعرض عن كلام الله وعدم الاعتناء بشأنه، فإِن من أعرض عما ذكر، وانهمك في الدنيا بحيث صارت منتهى همته وقصارى سعيه، لا تزيده الدعوة إِلا عناداً وإِصراراً على الباطل ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي ذلك نهاية علمهم وغاية إِدراكهم أن آثروا الدنيا على الآخرة ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اهْتَدَى﴾ أي هو عالم بالفريقين: الضالين والمهتدين ويجازيهم بأعمالهم.
جزاء المسيئين والمحسنين، ووصف المحسنين
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)﴾.