تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)}

سبب النزول:

نزول الآيتين (54، 55):

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ .. وَذَكِّرْ .. ﴾: أخرج ابن منيع وابن راهويه والهيثم بن كليب في مسانيدهم عن علي قال: لما نزلت: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ لم يبق منا أحدٍ إلا أيقن بالهَلَكةِ، إذ أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنهم، فنزلت: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فطابت أنفسنا.

﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي كما كذبك قومك يا محمد، وقالوا عنك إنك ساحرٌ أو مجنون، كذلك قال المكذبون الأولون لرسلهم، فلا تحزن لما يقول المجرمون ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ أي هل أوصى أولُهم آخرهم بالتكذيب؟ وهو استفهام للتعجب من إجماعهم على تلك الكلمة الشنيعة، ثم أضرب عن هذا النفي والتوبيخ فقال ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي لم يوص بعضهم بعضاً بذلك، بل حملهم الطغيان على التكذيب والعصيان فلذلك قالوا ما قالوا ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي فأعرض يا محمد عنهم ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أي فلا لوم عليك ولا عتاب، لأنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة، وبذلت الجهد في النصح والإرشاد ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لا تدع التذكير والموعظة فإن القلوب المؤمنة تنتفع وتتأثر بالموعظة الحسنة .. ثم ذكر تعالى الغاية من خلق الخلق فقال ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي وما خلقت الثقلين الإنس والجن إلا لعبادتي وتوحيدي، لا لطلب الدنيا والانهماك بها قال ابن عباس: ﴿إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ إِلا ليقروا لي بالعبادة طوعاً أو كرهاً وقال مجاهد: إلا ليعرفوني قال الرازي: لما بيَّن تعالى حال المكذبين ذكر هذه الآية ليبيّن سوء صنيعهم حيث تركوا عبادة الله مع أن خلقهم لم يكن إلا للعبادة ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ أي لا أريد منهم أن يرزقوني أو يرزقوا أنفسهم أو غيرهم بل أنا الرزاق المعطي ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ أي لا أريد منهم أن يطعموا خلقي ولا أن يطعموني فأنا الغني الحميد قال البيضاوي: والمراد أن يبيّن أن شأنه مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم، فإنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم، فكأنه سبحانه يقول: ما أريد أن أستعين بهم كما يستعين السادة بعبيدهم، فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتي ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ أي إنه جل وعلا هو الرزاق، المتكفل بأرزاق العباد وحاجاتهم، أتى باسم الجلالة الظاهر للتفخيم والتعظيم، وأكد الجملة بإن والضمير المنفصل لقطع أوهام الخلق في أمور الرزق، وليقوي اعتمادهم على الله ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ أي ذو القدرة الباهرة ﴿الْمَتِينُ﴾ أي شديد القوة لا يطرأ عليه عجزٌ ولا ضعف قال ابن كثير: أخبر تعالى أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إلى الله في جميع أحوالهم فهو خالقهم ورازقهم، وفي الحديث القدسي (يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأْ صدرك غنى، وإلا تفعل ملأتُ صدرك شغلاً ولم أسدَّ فقرك) ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ أي فإن لهؤلاء الكفار الذين كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم نصيباً من العذاب مثل نصيب أسلافهم الذين أُهلكوا كقوم نوح وعاد وثمود ﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي فلا يتعجلوا عذابي فإنه واقع لا

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦١٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦١٣٨