عليها، قد يسَّرها الله عليكم وأحاط بها لكم، فإِنه تعالى يرزق عباده المتقين من حيث لا يحتسبون والمرادُ بها في هذه الآية "فتح مكة" وهو اختيار الطبري.
﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوْا الأَدْبَارَ﴾ تذكيرٌ لهم بنعمةٍ أخرى أي ولو قاتلكم أهل مكة ولم يقع الصلح بينكم وبينهم، لغلبوا وانهزموا أمامكم ولم يثبتوا ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ أي ثم لا يجدون من يتولّى أمرهم بالحفظ والرعاية، ولا من ينصرهم من عذاب الله ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي تلك طريقة الله وعادتُه التي سنَّها فيمن مضى من الأمم، من هزيمة الكافرين ونصر المؤمنين قال فيالبحر: أي سنَّ الله لأنبيائه ورسله سنة قديمة وهي قوله ﴿كتب اللهُ لأغلبن أنا ورسلي﴾ ﴿وَلَنْتَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ أي وسنته تعالى لا تتبدَّل ولا تتغيَّر.
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ أي وهو تعالى بقدرته وتدبيره صرف أيدي كفار مكة عنكم كما صرف عنهم أيديكم بالحديبية التي هي قريبة من البلد الحرام، قال ابن كثير: هذا امتنانٌ من الله تعالى على عباده المؤمنين، حين كفَّ أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إِليهم منهم سوء، وكفَّ أيدي المؤمنين عن المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلاً من الفريقين وأوجد بينهم صلحاً، فيه خير للمؤمنين وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أي من بعد ما أخذتموهم أسارى وتمكنتم منهم، قال الجلال: وذلك أن ثمانين من المشركين طافوا بعسكر المؤمنين ليصيبوا منهم، فأُخذوا وأُتي بهم إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلَّى سبيلهم، فكان ذلك سبب الصلح، وقال في التسهيل: وروي في سببها أن جماعةً من فتيان قريش خرجوا إِلى الحديبية، ليصيبوا من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسم، فبعث إِليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في جماعةٍ من المسلمين فهزموهم وأسروا منهم قوماً، وساقوهم إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقهم، فكفُّ أيدي الكفار هو هزيمتهم وأسرهم، وكفُّ أيدي المؤمنين عن الكفار هو إِطلاقهم من الأسر وسلامتهم من القتل ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ أي هو تعالى بصير بأعمالكم وأحوالكم، يعلم ما فيه مصلحة لكم، ولذلك حجزكم عن الكافرين رحمةً بكم، وحرمةً لبيته العتيق لئلا تسفك فيه الدماء.
استحقاق المشركين للعذاب والدمار
﴿هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26)﴾.
سبب النزول:
نزول الآية (25):
﴿وَلَوْلا رِجَالٌ .. ﴾: أخرج الطبراني وأبو يعلى عن أبي جمعة جنيد بن سبع قال: قاتلت النّبي صلى الله عليه وسلم أول النهار كافراً، وقاتلت معه آخر النهار مسلماً، وكنّا ثلاثة رجال وسبع نسوة، وفينا نزلت: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾.