تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي غالباً على أمره، حكيماً في تدبيره وصنعه، ولهذا نصركم عليهم وغنَّمكم أرضهم وديارهم وأموالهم.
مغانم وفتوحات ونعم كثيرة أخرى للمؤمنين
﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوْا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (23) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24)﴾.
سبب النزول:
نزول الآية (24):
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ .. ﴾: أخرج مسلم والترمذي والنسائي عن أنس قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمانون رجلاً في السلاح من جبل التنعيم، يريدون غِرّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُخذوا، فأعتقهم، فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية.
﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ أي وعدكم الله يا معشر المؤمنين - على جهادكم وصبركم - الفتوحات الكثيرة، والغنائم الوفيرة تأخذونها من أعدائكم، قال ابن عباس: هي المغانم التي تكون إِلى يوم القيامة، قال أبو حيّان: ولقد اتَّسع نطاق الإِسلام، وفتح المسلمون فتوحاً لا تُحصى، وغنموا مغانم لا تُعدُّ وذلك في شرق البلاد وغربها، حتى في الهند والسودان - تصديقاً لوعده تعالى - وقدم علينا أحد ملوك غانة من بلاد التكرور، وقد فتح أكثر من خمسة وعشرين مملكة من بلاد السودان، وأسلموا معه وقدم علينا ببعض ملوكهم يحج معه ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ أي فعجَّل لكم غنائم خيبر بدون جهد وقتال ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ أي ومنع أيدي الناس أن تمتد إِليكم بسوء، قال المفسرون: المراد أيدي أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغطفان، حين جاءوا لنصرتهم فقذف الله في قلوبهم الرعب.
﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ولتكون الغنائم، وفتح مكة، ودخول المسجد الحرام علامة واضحة تعرفون بها صدق الرسول بما أخبركم به عن الله ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي ويهديكم تعالى إِلى الطريق القويم، الموصل إلى جنات النعيم بجهادكم وإِخلاصكم، قال الإِمام الفخر: والآية للإِشارة إِلى أنَّ ما أعطاهم من الفتح والمغانم، ليس هو كل الثواب، بل الجزاء أمامهم، وإِنما هي شيء عاجل أعدَّه لهم لينتفعوا به، ولتكون آية لمن بعدهم من المؤمنين، تدل على صدق وعد الله في وصول ما وعدهم به كما وصل إِليكم ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ أي وغنيمةً أخرى يسَّرها لكم، لم تكونوا بقدرتكم تستطيعون عليها، ولكنَّ الله بفضله وكرمه فتحها لكم، والمراد فتح مكة ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ أي قد استولى الله عليها بقدرته ووهبها لكم، فهي كالشيء المحاط به من جوانبه محبوسٌ لكم لا يفوتكم ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ أي قادراً على كل شيء، لا يعجزه شيء أبداً، فهو القادر على نصرة أوليائه، وهزم أعدائه، قال ابن كثير: المعنى أي وغنيمةً أخرى وفتحاً آخر معيناً، لم تكونوا تقدرون