سبب النزول:
نزول الآية (1):
﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾: أخرج الحاكم وغيره عن المِسْوَر بن مَخْرمة ومروان بن الحكم قالا: نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها.
نزول الاية (2):
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ .. ﴾: أخرج أحمد والشيخان والترمذي والحاكم عن أنس قال: أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مَرْجِعَه من الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد أنزلت عليَّ آية أَحَبُّ إلي مما على الأرض"، ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئاً مريئاً لك يا رسول الله، قد بيَّن الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ حتى بلغ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾. وقال ابن عباس: إن اليهود شمتوا النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لما نزل قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ وقالوا: كيف نتبع رجلاً لا يدري ما يفعل به، فاشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا .. ﴾ الآية.
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ أي قد فتحنا لك يا محمد مكة فتحاً بيناً ظاهراً، وحكمنا لك بالفتح المبين على أعدائك، والمراد بالفتح فتح مكة، وَعَدَهُ الله به قبل أن يكون، وذكره بلفظ الماضي لتحققه، وكانت بشارة عظيمة من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين. قال الزمخشري: هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية، وهو وعدٌ له بالفتح، وجيء به بلفظ الماضي على عادة ربّ العزَّة سبحانه في أخباره، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن الفتح ما لا يخفى ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ أي ليغفر لك ربك يا محمد جميع ما فرط منك من تَرْكِ الأَوْلَى. قال أبو السعود: وتسميتُه ذنباً بالنظر إِلى منصبه الجليل، وقال ابن كثير: هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها غيره، وفيه تشريفٌ عظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إِذ هو أكمل البشر على الإِطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة، وهو في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، ولما كان أطوع خلق الله بشره الله بالفتح المبين، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي ويكمّل نعمته عليك بإِعلاء الدين ورفع مناره ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي ويرشدك إِلى الطريق القويم، الموصل إِلى جنات النعيم، بما يشرعه لك من الدين العظيم ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أي وينصرك الله على أعدائك نصراً قوياً منيعاً، فيه عزةٌ وغلبة، يجمع لك به بين عز الدنيا والآخرة.
آثار صلح الحديبية على المؤمنين والمنافقين والمشركين
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ