وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ (13) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ (14)}
سبب النزول:
نزول الآية (11):
﴿ذلك بأن الله مولى﴾: قال قتادة: نزلت يوم أُحد والنَّبي صلى الله عليه وسلم في الشِّعْب، إذ صاح المشركون: يوم بيوم، لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم" وقد تقدّم ذلك.
نزول الآية (13):
﴿وَكَأَيِّنْ من قرية﴾: أخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقاء الغار، نظر إلى مكة، فقال: أنتِ أحبّ بلاد الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك، لم أخرج منك، فأنزل الله: ﴿وَكَأَيِّنْ من قرية هي أشدّ قوة من قريتك التي أخرجتك﴾ الآية. وذكره الثعلبي أيضاً عن قتادة وابن عباس، وهو حديث صحيح.
ثم خوَّفهم تعالى عاقبة الكفر فقال ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي أفلم يسافر هؤلاء ليروا ما حلَّ بمن سبقهم من الأمم الطاغية كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم من المجرمين، كيف كان مآلهم؟ وماذا حلَّ بهم من العذاب؟ فإِنَّ آثار ديارهم تنبئ عن أخبارهم ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي أهلكهم الله، واستأصل كل ما يخصهم من مالٍ وبنين ومتاع، فإِذا هو أنقاض متراكمة وإِذا هم تحت هذه الأنقاض "ودمَّر عليهم" أبلغ من دمَّرهم لأن معناها أهلكهم مع أموالهم ودورهم وأولادهم وأطبق عليهم الهلاك إِطباقاً فلم يبق شيء إلا شمله الدمار ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ أي ولكفار مكة أمثال تلك العاقبة الوخيمة والعذاب المدمّر ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءامنوا﴾ أي وليُّهم وناصرهم ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا موْلَى لَهُمْ﴾ أي لا ناصر لهم ولا معين ولا مغيث، ثم بيَّن تعالى مآل كلٍ من الفريقين - المؤمنين والكافرين - في الآخرة فقال ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءامنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ أي يدخل المؤمنين جناتِ النعيم، التي فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ﴾ أي والكافرون في الدنيا ينتفعون بشهواتها ولذائذها، ويأكلون كما تأكل البهائم، ليس لهم همٌّ إِلا بطونهم وفروجهم ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي وجهنم مقامهم ومنزلهم في الآخرة، قال الزمخشري: المراد أنهم ينتفعون بمتاع الدنيا أياماً قلائل، ويأكلون غافلين غير مفكرين في العاقبة كما تأكل الأنعام في مسارحها ومعالفها غافلةً عما هي بصدده من النحر والذبح، والنار منزل ومقام لهم في الآخرة .. ثم سلَّى تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ أي وكم من أهل قرية عاتية ظالمة كانوا أقوى من أهل مكة الذين أخرجوك منها ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ أي أهلكناهم بأنواع العذاب فلم ينصرهم أحد فكذلك نفعل بهؤلاء، قال ابن عباس: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة واختفى بالغار ثم خرج مهاجراً إِلى المدينة، التفت إِلى مكة ثم قال (إِنك لأحبُّ البلاد إِلى الله، وأحبُّ البلاد إِليَّ، ولولا