تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الزمخشري: وفي هذه العبارة ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل، لما فيها من تصوير القتل بأشنع صورة، وهو حزُّ العنق وإِطارة الرأس عن البدن، ولقد زاد من هذه الغلظة في قوله ﴿فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ ومعنى ﴿أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه ﴿فشدُّوا الوثاق﴾ أي فأسروهم، والوثاقَ اسم لما يربط من حبلٍ وغيره ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ أي ثم أنتم مخيَّرون بعد أسرهم إِمَّا أن تمنُّوا عليهم وتطلقوا سراحهم بلا مقابل من مال، أو تأخذوا منهم مالاً فداءً لأنفسهم، ولكن بعد أن تكونوا قد كسرتم شوكتهم، واعجزتموهم بكثرة القتل والجراح ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي حتى تنقضي الحرب وتنتهي بوضع آلاتها وأثقالها، وتنتهي الحرب بين المسلمين والمناوئين له، وذلك بعز الإِسلام واندحار المشركين ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي الأمر فيهم ما ذُكر، ولو أراد الله لانتصر منهم وأهلكهم بقدرته، دون أن يكلفكم - أيها المؤمنون - قتالهم، قال ابن كثير: أي لو شاء الله لانتقم من الكافرين بعقوبةٍ ونكالٍ من عنده ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي ولكنَّه أمركم بجهادهم ليختبر إِيمانكم وثباتكم، فيظهر حال الصادق في الإِيمان من غيره كما قال تعالى ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين﴾ وليبتلي المؤمنين بالكافرين والكافرين بالمؤمنين، فيصير من قُتل من المؤمنين إلى الجنة، ومن قتل من الكافرين إلى النار ولهذا قال ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي والذين استشهدوا في سبيل الله فلن يُبطل الله عملهم، بل يكثّره ويضاعفه وينمّيه ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ أي سيهديهم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، بتوفيقهم إلى العمل الصالح وإِرشادهم إلى الجنة دار الأبرار ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ أي ويُصلح حالهم وشأنهم ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ أي ويدخلهم الجنة دار النعيم بيَّنها لهم بحيث يعمل كل واحدٍ منزله ويهتديإِليه، قال مجاهد: يهتدي أهلُها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خُلقوا وفي الحديث (والذي نفسي بيده إِن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا) وقيل {عَرَّفَها لَهُمْ {أي طيبها لهم وعطّرها من العرف وهو الرائحة الزكية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامنوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ أي إِن تنصروا دينه ينصركم على أعدائكم ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ أي ويثبتكم في مواطن الحرب ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ أي والذين كفروا بالله وآياته فهلاكاً وشقاءً لهم، وهو دعاءٌ عليهم بالتعاسة والخيبة والخذلان ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي أبطلها وأحبطها لأنها كانت في طاعة الشيطان ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ أي ذلك التعس والإِضلال بسبب أنهم كرهوا ما أنزل الله من الكتب والشرائع، قال الزمخشري: أي كرهوا القرآن وما أنزل الله فيه من التكاليف والأحكام، لأنهم قد ألفوا الإِهمال وإِطلاق العَنان في الشهوات والملاذِ فشقَّ عليهم ذلك وتعاظمهم ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي أذهبها وأضاعها لأن الإِيمان شرط لقبول الأعمال، والشرك محبطٌ للعمل.

تخويف الله المشركين من عاقبة الكفر

{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءامنوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ (11) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءامنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٠٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٠٩٤