لأنه مالكه وأنه هو الذي أمر الملائكة أن يكتبوه ﴿إنَّا كُنَّا نسْتنْسخُ ما كنتم تَعْملون﴾ أي كنَّا نأمر الملائكة بكتابة أعمالكم، وإِثباتها عليكم، قال المفسرون: تنسخ هنا بمعنى تكتب، وحقيقة النسخ هو النقل من أصلٍ إلى آخر، وقال ابن عباس: تكتب الملائكة أعمال العباد ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابل الملائكة الموكلون بديوان الأعمال ما كتبه الحفظة، بما قد أُبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر، وبما كتبه الله في القِدم على العباد قبل أن يخلقهم، فلا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً، فذلك هو الاستنساخ، وكان ابن عباس يقول: ألستم عرباً، هل يكون الاستنساخ إلا من أصل.
أحوال المطيعين والعاصين
﴿فأمَّا الذينَ آمنوا وعمِلوا الصَّالحات فيُدخلهم ربُّهُم في رحْمَته ذلك هو الفوزُ المُبِينُ (30) وأمَّا الذين كفروا أفلمْ تكن ءاياتي تُتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوماً مجرمين (31) وإِذا قيل إِنَّ وعد الله حقٌّ والساعةُ لا ريبَ فيها قُلتم مَّا ندْري ما السَّاعةُ إن نَّظُنُّ إِلاَّ ظنَّاً وما نحنُ بمُستيْقنين (32) وبدا لهم سيئات ما عمِلوا وحاق بهم ما كانوا به يسْتهزءُون (33) وقيلَ اليومَ ننْساكم كما نسيتم لقاءَ يومِكم هذا ومأواكم النَّارُ وما لكم من نَّاصرين (34) ذلكم بأنكم اتَّخَذتم ءاياتِ اللهِ هُزُواً وغرتكم الحياةُ الدُّنيا فاليومَ لا يُخْرجون منها ولا هم يُسْتعتبون (35) فللَّهِ الحمدُ ربِّ السماواتِ وربَّ الأرض رب العالمين (36) وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (37)﴾.
ثم بيَّن تعالى أحوال كلٍ من المطيعين والعاصين فقال ﴿فأمَّا الذينَ آمنوا وعمِلوا الصَّالحات فيُدخلهم ربُّهُم في رحْمَته﴾ أي فأما المؤمنون الصالحون المتقون لله في الحياة الدنيا، فيدخلهم الله في الجنة، سُميت الجنة رحمةً لأنها مكان تنزل رحمةِ الله ﴿ذلك هو الفوزُ المبينُ﴾ أي ذلك هو الفوز العظيم، البيّن الظاهر الذي لا فوز وراءه ﴿وأمَّا الذين كفروا أفلمْ تكن ءاياتي تُتلى عليكم﴾ أي وأمَّا الكافرون فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً: أفلم تكن الرسل تتلو عليكم ءايات الله؟ ﴿فاستكبرتم وكنتم قوماً مجرمين﴾ أي فتكبرتم عن الإِيمان بها، وأعرضتم عن سماعها، وكنتم قوماً مغرقين في الإِجرام ﴿وإِذا قيل إِنَّ وعد الله حقٌّ﴾ أي وإِذا قيل لكم إن البعث كائن لا محالة ﴿والساعةُ لا ريبَ فيها﴾ أي والقيامة آتيةٌ لا شك في ذلك ولا ريب ﴿قُلتم ما ندْري ما السَّاعةُ﴾ أي قلتم لغاية عتوكم: أيُّ شيء هي؟ أحقٌّ أم باطل؟ قال البيضاوي: قالوا هذا استغراباً واستبعاداً وإِنكاراً لها ﴿إن نظنُّ إِلاَّ ظناً﴾ أي لا نصدِّق بها ولكن نسمع الناس يقولون: إِنَّ هناك آخرة فنتوهم بها توهماً ﴿وما نحنُ بمُستيْقنين﴾ أي ولسنا مصدِّقين بالآخرة يقيناً، وهذا تأكيد منهم لإِنكار القيامة ﴿وبدا لهم سيئات ما عمِلوا﴾ أي وظهر لهم في الآخرة قبائح أعمالهم ﴿وحاق بهم ما كانوا به يسْتهزءُون﴾ أي ونزل وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به في الدنيا ﴿وقيلَ اليومَ ننْساكم كما نسيتم لقاء يومِكم هذا﴾ أي ويقال لهم: اليوم نترُككم في العذاب ونعاملكم معاملة الناسي، كما تركتم الطاعة التي هي الزاد ليوم المعاد فلم تعملوا لآخرتكم ﴿ومأواكم النارُ﴾ أي ومستقركم في نار جهنم ﴿وما لكم من ناصرين﴾ أي وليس لكم من ينصركم ويخلصكم من عذاب الله ﴿ذلكم بأنكم اتخذتم ءاياتِ اللهِ هُزُواً﴾ أي إِنما جازيناكم هذا الجزاء، بسبب أنكم سخرتم من كلام الله واستهزأتم به ﴿وغرتكم الحياةُ الدنيا﴾ أي خدعتكم الدنيا بزخارفها وأباطليها، حتى ظننتم ألاَّ حياة سواها، وأَلاَّ بعث ولا نشور {فاليومَ لا