ولا أن يجعل الأشرار كالأبرار، ثم بيَّنت سبب ضلال المشركين، وهو إجرامهم واتخاذهم الهوى إلهاً ومعبوداً حتى طمست بصيرتهم فلم يهتدوا إلى الحق أبداً.
* وختمت السورة بذكر الجزاء العادل يوم الدين، حيث تنقسم الإِنسانية إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
التسميَة:
سميت "سورة الجاثية" للأهوال التي يلقاها الناس يوم الحساب، حيث تجثوا الخلائق من الفزع على الركب في انتظار الحساب، ويغشى الناس من الأهوال ما لا يخطر على البال ﴿وترى كل أُمةٍ جاثيةً، كلُّ أُمةٍ تُدعى إلى كتابها اليومَ تُجزون ما كنتم تعملون﴾ وحقاً إنه ليوم رهيب يشيب له الولدان
مصدر القرآن، وإثبات وحدانية الله
﴿حم (1) تنزيلُ الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) إنَّ في السماواتِ والأرضِ لآياتٍ للمؤمنين (3) وفي خلقِكم وما يُبثُّ من دابةٍ ءاياتٌ لقومٍ يوقنون (4) واختلاف الليل والنهار وما أنزلَ اللهُ من السَّماء من رزقٍ فأحيا به الأرضَ بعدَ موتها وتصريفِ الرياحِ ءاياتٌ لقوم يعقلون (5) تلك ءاياتُ اللهِ نتلوها عليك بالحقِّ فبأيِ حديثٍ بعدَ اللهِ وآياتهِ يؤمنون (6)﴾.
﴿حم﴾ الحروف المقطَّعة للتنبيه على إِعجاز القرآن ﴿تنزيلُ الكتاب من الله العزيز الحكيم﴾ أي هذا القرآن تنزيلٌ من الله، العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه، الذي لا يصدر عنه إلا كل ما فيه حكمةٌ ومصلحة للعباد، ثم أخبر تعالى عن دلائل الوحدانية والقدرة فقال ﴿إنَّ في السماواتِ والأرضِ لآياتٍ للمؤمنين﴾ أي إنَّ في خلق السماواتِ والأرض وما فيهما من المخلوقات العجيبة، والأحوال الغريبة، والأمور البديعة، لعلامات باهرة على كمال قدرة الله وحكمته، لقوم يصدّقون بوجود الله ووحدانيته ﴿وفي خلقِكم وما يُبثُّ من دابةٍ ءاياتٌ لقومٍ يوقنون﴾ أي وفي خلقكم أيها الناسُ من نطفةٍ ثم من علقة، متقلبة في أطوارٍ مختلفة إلى تمام الخلق، وفيما ينشره تعالى ويُفرقه من أنواع المخلوقات التي تدب على وجه الأرض، ءاياتٌ باهرةٌ أيضاً لقومٍ يصدّقون عن إذعانٍ ويقين بقدرة ربِّ العالمين ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ أي وفي تعاقب الليل والنهار، دائبين لا يفتران، هذا بظلامه وذاك بضيائه، بنظام محكم دقيق ﴿وما أنزلَ اللهُ من السَّماء من رزقٍ﴾ أي وفيما أنزله الله تبارك وتعالى من السحاب، من المطر الذي به حياة البشر في معاشهم وأرزاقهم، قال ابن كثير: وسمَّى تعالى المطر رزقاً لأن به يحصل الرزق ﴿فأحيا به الأرضَ بعدَ موتها﴾ أي فأحيا بالمطر الأرض بعدما كانت هامدةً يابسة لا نبات فيها ولا زرع، فأخرج فيها من أنواع الزروع والثمرات والنبات ﴿وتصريفِ الرياحِ﴾ أي وفي تقليب الرياح جنوباً وشمالاً، باردة وحارة ﴿آياتٌ لقوم يعقلون﴾ أي علامات ساطعة واضحة على وجود الله ووحدانيته، لقومٍ لهم عقول نيّرة وبصائر مشرقة، قال الصاوي: ذكر الله سبحانه وتعالى من الدلائل ستةً في ثلاث ءايات، ختم الأولى بـ ﴿للمؤمنين﴾، والثانية بـ ﴿يوقنون﴾ والثالثة بـ ﴿يعقلون﴾ ووجه التغاير بينها في التعبير أن الإِنسان إذا تأمل في السماوات والأرض، وأنه لا بدَّ لهما من صانع آمن، وإِذا نظر في خلق نفسه ونحوها ازداد إِيماناً فأيقن، وإِذا نظر في سائر الحوادث كمل عقله واستحكم علمه