منهم ﴿فأَسْرِ بعبادي ليلاً إِنكم متَّبعون﴾ في الكلام حذف تقديره فأوحينا إليه وقلنا له: أسرٍ بعبادي أي اخرج ببني إِسرائيل ليلاً فإِن فرعون وقومه يتبعونكم، ويكون ذلك سبباً لهلاكهم ﴿واترك البحر رهواً﴾ أي واترك البحر ساكناً منفرجاً على هيئته بعد أن تجاوزه ﴿إنهم جندٌ مُغرقون﴾ أي إِنَّ فرعون وقومه سيغرقون فيه، قال ابن جزي: لمَّا جاوز موسى البحر أراد أن يضربه بعصاه فينطبق كما ضربه فانفلق، فأمره الله بأن يتركه ساكناً كما هو ليدخله فرعون وقومه فيغرقوا فيه، وإِنما أخبره تعالى بذلك ليبقى فارغ القلب من شرهم وإِيذائهم، مطمئناً إلى أنهم لن يدركوا بني إِسرائيل، ثم أخبر تعالى عن هلاكهم فقال ﴿كم تركوا من جناتٍ وعيون﴾ كم للتكثير أي لقد تركوا كثيراً من البساتين والحدائق الغناء والأنهار والعيون الجارية ﴿وزروع ومقامٍ كريم﴾ أي ومزارع عديدة فيها أنواع المزروعات ومجالس ومنازل حسنة، قال قتادة: ﴿ومقام كريم﴾ هي المواضع الحسان من المجالس والمساكن وغيرها ﴿ونَعمةٍ كانوا فيها فاكهين﴾ أي وتنعم بالعيش مع الحسن والنضارة كانوا فيها ناعمين بالرفاهية وكمال السرور، قال الإِمام فخر الدين الرازي: بيَّن تعالى أنهم بعد غرقهم تركوا هذه الأشياء الخمسة وهي: الجنات، والعيون، والزروع، والمقام الكريم - وهو المجالس والمنازل الحسنة - ونعمة العيش بفتح النون وهي حسنُه ونضارته ﴿كذلك وأورثناها قوماً آخرين﴾ أي كذلك فعلنا بهم حيث أهلكناهم وأورثنا ملكهم وديارهم لقومٍ آخرين، كانوا مستعبدين في يد القبط وهم بنو إسرائيل، قال ابن كثير: والمراد بهم بنوا إسرائيل فقد استولوا - بعد غرق فرعون وقومه - على الممالك القبطية، والبلاد المصرية كما قال تعالى ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يُستْضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها﴾ وقال تعالى في مكان آخر ﴿وأورثناها بني إسرائيل﴾ ﴿فما بكتْ عليهم السماءُ والأرض﴾ أي فما حزن على فقدهم أحد، ولا تأثر بموتهم كائن من الخلق ﴿وما كانوا منظرين﴾ أي وما كانوا مؤخرين وممهلين إلى وقت آخر. بل عُجّل عقابهم في الدنيا، قال القرطبي: تقول العرب عند موت السيد منهم: بكت له السماء والأرض، أي عمَّت مصيبتُه الأشياء حتى بكته الأرض والسماء، والريح والبرق قال الشاعر:
فيا شجر الخابور مالك مورقاً كأنك لم تجزع لموتِ طريف
وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغةً في وجوب الجزع والبكاء عليه والمعنى أنهم هلكوا فلم تعظم مصيبتهم ولم يوجد لهم فقد، وقيل هو على حذف مضاف أي ما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض.
﴿ولقد نجينا بني إِسرائيل من العذاب المهين﴾ أي والله لقد أنقذنا بني إِسرائيل من العذاب الشديد، المفرط في الإِذلال والإِهانة، وهو قتل أبنائهم واستخدام نسائهم، وإِرهاقهم في الأعمال الشاقة ﴿من فرعونَ إنه كان عالياً من المسرفين﴾ أي من طغيان فرعون وجبروته إنه كان متكبراً جباراً، متجاوزاً الحد في الطغيان والإِجرام، قال الصاوي: هذا من جملة تعداد النعم على بني إِسرائيل، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم وتبشيره بأنه سينجيه وقومه المؤمنين من أيدي المشركين، فإِنهم لم يبلغوا في التجبر مثل فرعون وقومه ﴿ولقد اخترناهم على علمٍ على العالمين﴾ أي اصطفيناهم وشرفناهم على علمٍ منا باستحقاقهم لذلك الشرف على جميع الناس في زمانهم، قال قتادة: على أهل زمانهم، لا على أمة محمد لقوله تعالى {كنتم خير أمةٍ