ولما بيَّن صفات الجلال والعظمة، نهى عن عبادة غير الله فقال ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي قل يا محمد إن ربي العظيم الجليل نهاني أن أعبد هذه الآلهة التي تعبدونها من الأوثان والأصنام، قال الصاوي: أمر تعالى نبيه أن يخاطب قومه بذلك زجراً لهم، حيث استمروا على عبادة غير الله، بعد ظهور الأدلة العقلية والنقلية ﴿لَمَّا جَاءنِي الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾ أي حين جاءتني الآيات الواضحات من عنده، الدالة على وحدانيته، قال الرازي: والبيناتُ هي أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفاً بصفات الجلال والعظمة، وصريح العقل يشهد بأن العبادة لا تليق إلا به، وأن جعل الحجارة المنحوتة والأخشاب المصورة، شركاء له في المعبودية مستنكرٌ في بديهة العقل ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي وأمرت أن أذل وأخضع لله وحده، وأن أخلص له ديني، وأطهّر نفسي من عبادة غيره.
﴿هوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ هذا بيانٌ للأطوار التي مرَّ بها خلقُ الإِنسانِ أي هو جْل وعلا بقدرته الذي أوجدكم أيها الناس من العدم، فخلق أصلكم آدم من تراب، ثم خلق ذريته من النطفة وهي المنيُّ، ثم من علقة وهي الدم الغليظ، إلى آخر تلك الأطوار ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أي ثم بعد أن ينفصل الجنين من بطن الأم يكون طفلاً ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ أي ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقل، وهو سنُّ الأربعين ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ أي ثم لتصبحوا في سنِّ الهرم والشيخوخة، قال الإِمام فخر الدين الرازي: رتَّب تعالى عمر الإِنسان على ثلاث مراتب: الطفولة، وبلوغ الأشد، والشيخوخة، وهذا ترتيب مطابق للعقل، فإِن الإِنسان في أول عمره يكون في النمَّاء والنشوء وهو المسمى بالطفولة، إلى أن يبلغ إلى كمال النشوء من غير أن يحصل له ضعف، وهذا بلوغ الأشد، ثم يبدأ بالتراجع ويبدأ فيه الضعف والنقص، وهذه مرتبة الشيخوخة ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ أي ومنكم من يُتوفى قبل أن يخرج إلى العالم وهو السِّقطُ، وقال مجاهد: من قبلِ سنِّ الشيخوخة ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى﴾ أي ولتصلوا إلى الزمان الذي حُدِّد لكل شخصٍ وهو الموتُ ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي ولكي تعقلوا دلائل قدرته تعالى وتؤمنوا بأنه الواحد الأحد ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ﴾ أي هو القادر جل وعلا على الإِحياء والإِماتة ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي فإِذا أراد أمراً من الأمور فلا يحتاج إلى تعب وعناء، وإِنما يوجد فوراً دون تأخير، قال أبو السعود: وهذا تمثيلٌ لكمال قدرته، وتصوير لسرعة وجودها من غير أن يكون هناك أمرٌ ومأمور.
جزاء المجادلين بالباطل
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي ءاياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76)﴾.
ثم عاد إلى ذم المجادلين في ءايات الله بالباطل فقال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ الاستفهام للتعجيب أي ألا ترى أيها السامع وتعجبْ من حال