تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أحوالهم وأعمالهم ولا من سرائرهم وبواطنهم، قال الصاوي: والحكمة في تخصيص ذلك اليوم - مع أن الله لا يخفى عليه شيء في سائر الأيام - أنهم كانوا يتوهمون في الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان مثلاً لا يراهم الله، وفي هذا اليوم لا يتوهمون هذا التوهم ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ أي ينادي الله سبحانه والناسُ بارزون في أرض المحشر: لمن المُلكُ اليوم؟ ويسكت الخلائق هيبةً لله تعالى وفزعاً، فيجيب

تعالى نفسه قائلاً ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي لله المتفرد بالملك، الذي قهر بالغلبة كل ما سواه، قال الحسن: هو تعالى السائل وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي في ذلك اليوم -يوم القضاء والفصل بين العباد - تُجازى كل نفسٍ بما عملت من خيرٍ أو شر ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ أي لا يُظلم أحد شيئاً، لا بنقص ثواب، ولا بزيادة عقاب ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي سريعٌ حسابه، لا يشغله شأنٌ عن شأن، فيحاسب الخلائق جميعاً في وقتٍ واحد، قال القرطبي: كما يرزقهم في ساعةٍ واحدة، يحاسبهم كذلك في ساعةٍ واحدة، وفي الخبر: "لا ينتصف النهارُ حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار".

وصف يوم القيامة بأوصاف مخيفة

﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20) أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (22)﴾

﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أي خوّفهم ذلك اليوم الرهيب يوم القيامة، قال ابن كثير: "الآزفة" اسم من أسماء القيامة، سميت بذلك لقربها كقوله تعالى ﴿أزفت الآزفة﴾ ﴿إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ أي تكاد قلوبهم لشدة الخوف والجزع تبلغ الحناجر - وهي الحلوق - مكان البلعوم ﴿كَاظِمِينَ﴾ أي ممتلئن غماً وحسرةً شأن المكروب، قال في التسهيل: معنى الآية أن القلوب قد صعدت من الصدور لشدة الخوف حتى بلغت الحناجر، ويحتمل أن يكون ذلك حقيقةً أو مجازاً عبَّر به عن شدة الخوف، والحنجرة هي الحلق ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي ليس للظالمين صديقٌ ينفعهم ﴿وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أي ولا شفيع يشفع لهم لينقذهم من شدة العذاب ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ أي يعلم جلَّ وعلا العين الخائنة بمسارقتها النظر إلى محرم، قال ابن عباس: هو الرجل يكون جالساً مع الناس، فتمرُّ المرأة فيسارقهم النظر إليها ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي ويعلم السرَّ المستور تخفيه الصدور ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أي يقضي ويحكم بالعدل ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي والذين يعبدونهم من دون الله من الأوثان والأصنام ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أي لا حكم لهم أصلاً فكيف يكونون شركاء لله؟ قال أبو السعود: وهذا تهكّمٌبهم لأن الجماد لا يقال في حقه يقضي أو لا يقضي ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي هو السميع لأقوال العباد، البصير بأفعالهم ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾؟ أي أولم يعتبر هؤلاء المشركون في أسفارهم بما يرون من آثار المكذبين ﴿فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي فينظروا ما حلَّ بالمكذبين من العذاب والنكال؟ فإِنَّ

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٠٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٠٠٧